أخباراليوم. شكّل خطاب الوزير الأول، السيد المختار ولد أجاي، أمام الجمعية الوطنية، بمناسبة تقديم السياسة العامة للحكومة لسنة 2026، ترجمة تنفيذية لرؤية رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، الرامية إلى الانتقال بموريتانيا من معالجة التحديات الآنية إلى بناء نموذج تنموي مستدام، يراعي مصالح الأجيال القادمة ويضمن تراكم الإنجازات.
وقد حمل الخطاب رسالة واضحة مفادها أن الحكومة الجديدة تواصل المسار الذي أطلقه رئيس الجمهورية، مع تطوير أدوات العمل، ورفع مستوى الأداء، وترتيب الأولويات بما يستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا السياق، يبرز دور الوزير الأول في تحويل الرؤية الرئاسية إلى برامج عملية، مستفيدا من خبرته الاقتصادية والإدارية، ومن وضوحه في تحديد الأهداف ومتابعة التنفيذ.
الوزير الأول أكد أن المرجعية السياسية للحكومة هي المشروع المجتمعي الذي يحمله برنامج رئيس الجمهورية «طموحي للوطن». ويعكس ذلك وحدة القرار العمومي وتناسق السياسات الحكومية، بما يمنع تشتت المبادرات ويضمن تكاملها.
كما أن تجديد الثقة في المختار ولد أجاي يعكس الرغبة في الحفاظ على استمرارية المسار، مع تصحيح الاختلالات والاستفادة من الخبرة المتراكمة. وقد اتسم الخطاب بقدر من الواقعية، إذ لم يقدم الحصيلة السابقة باعتبارها مكتملة، بل أقر بما قد يشوب الأداء من نقص، مؤكدا أن الاعتزاز بما تحقق لا ينبغي أن يحجب ما لم يتحقق بعد.
لقد استند الخطاب إلى مؤشرات اقتصادية واجتماعية تعكس حجم التحول خلال السنوات الماضية، حيث حافظ الاقتصاد على متوسط نمو تجاوز 4% خلال الفترة 2019-2026، مع توقع استمرار النمو بالمستوى نفسه تقريبا خلال الفترة 2027-2029، بالتوازي مع خفض الدين العام الخارجي إلى أقل من 40% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2026، فضلا عن استفادة أكثر من 350 ألف أسرة من التحويلات النقدية، واتساع قاعدة التأمين الصحي لتشمل أكثر من 1.4 مليون شخص، إلى جانب زيادات في الأجور والعلاوات ورفع الحد الأدنى للأجور ودعم أسعار المحروقات والكهرباء.
وفي مجال البنية التحتية، أُنجز نحو 7600 حجرة دراسية، ووسعت المنشآت الصحية، وأطلقت مشاريع مائية وكهربائية، وأنجزت طرق ومنشآت حضرية، فضلًا عن مشاريع استراتيجية مثل نقل الكهرباء عالي الجهد بين نواكشوط والنعمة، والصرف الصحي في العاصمة، والقناة الزراعية «سَكَّامْ»، وميناء المياه العميقة في نواذيبو.
وتؤكد هذه الحصيلة أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تبنى على ما تحقق، لا أن تعود مع كل تغيير حكومي إلى نقطة الصفر.
وجاء تحسين القدرة الشرائية في مقدمة أولويات الحكومة، استجابة لتداعيات ارتفاع الأسعار والأزمات الاقتصادية العالمية. وتشمل الإجراءات المعلنة مراجعة آلية تحديد أسعار المحروقات، وتوسيع قائمة المواد المشمولة بتسقيف الأسعار، وتشديد الرقابة على الاحتكار والمضاربة، إلى جانب مراجعة أجور الموظفين والمتقاعدين والتفاوض بشأن أجور العمال.
كما تتضمن التكفل مؤقتا بجزء من فواتير الماء والكهرباء للأسر محدودة الدخل، وتوسيع الدعم الموجه لذوي الإعاقة وأصحاب الأمراض المزمنة. وتعكس هذه الإجراءات توجها نحو حماية الفئات الهشة، مع الحفاظ على التوازنات الاقتصادية واستمرارية التموين.
وبعد سنوات من الاستثمار في الطرق والمياه والكهرباء والمدارس والمنشآت الصحية، أصبح التحدي هو تحويل هذه البنية التحتية إلى رافعة اقتصادية تخلق فرص العمل وتحرك الزراعة والتنمية الحيوانية والتجارة.
وقد ترجم الوزير الأول هذه الرؤية إلى برنامج يتضمن إعداد خطة اقتصادية خاصة بالولايات الداخلية، وتثمين مزاياها التنافسية، وتحفيز الاستثمار الخاص، وزيادة تمويل المبادرات الشبابية، وإنشاء صندوق لتشجيع التنمية في الداخل.
كما يحظى تحقيق السيادة الغذائية بأهمية خاصة، من خلال تهيئة السدود، وتنظيم استغلالها، وإدخال أنماط زراعية جديدة، ومواكبة المنتجين، وتوفير التمويلات اللازمة للزراعة والتنمية الحيوانية. ويشكل البحث عن صيغ لتقاسم مخاطر تمويل المشاريع الحيوانية خطوة مهمة لتجاوز صعوبة الضمانات البنكية.
وتكتمل هذه المقاربة بإعداد برنامجي تهيئة حضرية لنواكشوط ونواذيبو، يشملان الصرف الصحي وتبليط الشوارع والتشجير وتهيئة الساحات والمناطق الشاطئية. وهكذا تنتقل التنمية من فك العزلة وتوفير الخدمات إلى صناعة الفرص الاقتصادية.
وتمثل الدعوة إلى إعداد رؤية استراتيجية وطنية لموريتانيا في أفق 2060 أبرز ما حمله الخطاب من أفكار. فهي تعالج مشكلة غياب الاستمرارية المؤسسية وتبدد الخبرات عند تغير الحكومات والفرق الإدارية.
وتقوم الرؤية المقترحة على تحديد موريتانيا التي نريدها بعد مائة سنة من الاستقلال، وترجمة ذلك إلى مخطط وطني يتضمن أولويات ومشاريع قابلة للتنفيذ والمتابعة والتقييم. فالتنمية المستدامة لا يمكن أن تقوم على استراتيجيات مرتبطة بالمأموريات الانتخابية، أو على حكومات تبدأ في كل مرة من جديد.
ويحتاج هذا التوجه إلى إدارة مهنية ومستقرة، تقوم على الكفاءة، وتفصل بين المناصب الإدارية والمواقع السياسية، وتطور التكوين المستمر ونقل الخبرات، وتحافظ على ذاكرة مؤسسية تحفظ التجارب والدراسات والقرارات.
وأكد الوزير الأول أهمية ترسيخ الكفاءة في الترقية داخل الإدارة العمومية، وفصل المسارات الإدارية عن الاعتبارات السياسية. كما شدد على التكوين المستمر، والاستفادة من مؤسسات التعليم العالي والمدرسة الوطنية للإدارة والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي.
وتنسجم هذه التوجهات مع الإصلاحات المتعلقة بمكافحة الفساد، وتنظيم الصفقات العمومية، وتطوير الاستثمار والشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتحديث الإطار القانوني للمؤسسات العمومية. فالتنمية ليست تعبئة للموارد وإنجازا للبنية التحتية فقط، بل منظومة تبدأ بجودة التشريعات وتنتهي بفاعلية التنفيذ وأثره على حياة المواطنين.
لقد اتسم عرض الوزير الأول بالتنظيم والترابط، إذ انتقل من تقييم الحصيلة إلى تشخيص التحديات، ثم تحديد الأولويات والإجراءات واستشراف الأفق الاستراتيجي. ويعكس ذلك إلماما بالملفات الحكومية وقدرة على الربط بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والإدارية.
كما أكد أن الثقة تكليف قبل أن تكون تشريفا، وأن نجاح العمل الحكومي يتطلب الجدية والوضوح والشجاعة في اتخاذ القرار والصرامة في المتابعة والاستعداد للمساءلة.
وأبرز الخطاب أن التنمية تحتاج إلى مناخ سياسي واجتماعي مستقر، وإلى توافق حول القضايا الوطنية الكبرى. ومن هنا جاء التأكيد على مواكبة الحوار الوطني الشامل وتنفيذ مخرجاته، وتعزيز الوحدة واللحمة الاجتماعية وترسيخ دولة المواطنة والقانون.
كما أن إشراك الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والشباب وأصحاب الرأي والخبرة في إعداد رؤية موريتانيا 2060 يجعلها مشروعا وطنيا لا يقتصر على الحكومة أو النخب، بل يشارك المجتمع كله في صياغته.
لقد كشف خطاب الوزير الأول عن إعادة ترتيب أولويات العمل الحكومي حول ثلاثة محاور أساسية، هي حماية المواطن وتحسين معيشته، وتحويل الاستثمارات في الولايات إلى نشاط اقتصادي منتج، ثم بناء تخطيط استراتيجي طويل الأمد يضمن استمرارية الدولة وتراكم إنجازاتها.
وتعكس هذه المحاور رؤية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني القائمة على التدرج في الإصلاح، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتوسيع الخدمات، وبناء مؤسسات قادرة على مواكبة تطلعات الأجيال. كما أظهر المختار ولد أجاي أنه يتعامل مع موقعه باعتباره مسؤولية تتطلب وضوحا وكفاءة وحزما في التنفيذ.
إن ما يميز تجربة الوزير الأول المختار ولد أجاي هو ما يجمعه من كفاءة في إدارة الملفات، وصرامة في متابعة التنفيذ، وحكمة في اتخاذ القرار، وقدرة على تحويل التوجيهات إلى برامج عملية ونتائج ملموسة. وهي خصال تجعله رجل مرحلة بامتياز، قادرا على استيعاب حجم المسؤولية ومواجهة تحدياتها بروح الجدية والانضباط.
كما أن الثقة التي يضعها فيه فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني تعكس قناعة بأهليته لتحمل أمانة التنفيذ، وترجمة برنامج «طموحي للوطن» إلى سياسات وإنجازات تستجيب لتطلعات المواطنين. فالمختار ولد أجاي يقدم نموذجا للمسؤول الذي يجمع بين الحزم والحكمة، وبين كفاءة التسيير وروح الالتزام، ويؤكد أن الوفاء للثقة الرئاسية لا يكون بكثرة الوعود، وإنما بصدق الإنجاز وجعل مصلحة الوطن والأجيال القادمة فوق كل اعتبار.
المختار ولد خيه
*- المستشار السياسي لرئيس حزب الإنصاف








