أمين عام كونفدوالية الشغيلة الموريتانية يكتب: هامش على المحور الاجتماعي في برنامج الحكومة

أخبار اليوم.  تابعنا ما ورد في الجانب الاجتماعي من برنامج حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي، وهو وإن بدا في ظاهره استجابة لبعض المطالب الاجتماعية الملحة، فإنه لا يرقى إلى مستوى التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المواطنين، ولا يعكس إرادة سياسية واضحة لمعالجة التدهور المتواصل في مستويات المعيشة، ولا الاستجابة للمطالب النقابية.

تقدم الحكومة حزمة من الإجراءات التي يغلب عليها الطابع الظرفي والجزئي، وتفتقر في معظمها إلى الالتزامات المحددة، والضمانات العملية التي تكفل تنفيذها وتحقيق أثر ملموس على حياة المواطنين.

وهنا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات:

-تدخل الدولة في الأسعار: وهو إجراء تنظيمي قد يخفف بعض الأعباء، لكنه لا يرفع دخل المواطن.

-الدعم الاجتماعي: وهو إجراء تضامني مهم، لكنه لا يعوض سياسة الأجور والحماية الاجتماعية.

-تحسين الدخل الحقيقي: وهو جوهر حماية القدرة الشرائية، ويتطلب مراجعة الأجور والمعاشات والحد الأدنى للأجور بصورة منتظمة.

ويمكن تسجيل الملاحظات التالية على الجانب الاجتماعي من السياسة العامة للحكومة لسنة 2026:

أولاً: مراجعة آلية تسعير المحروقات:

إن الحديث عن مراجعة آلية تحديد أسعار المحروقات، بهدف الحد من انعكاس تقلبات الأسعار الدولية على المستهلكين، لا يشكل إجراء كافيا لحماية القدرة الشرائية. فالمطلوب ليس مجرد مراجعة الآلية، وإنما وضع نظام شفاف وعادل يضمن عدم تحميل المواطنين وحدهم أعباء ارتفاع الأسعار الدولية، ويتيح لهم الاستفادة أيضاً من انخفاضها، مع مراجعة الضرائب والرسوم وهوامش التوزيع التي تدخل في تحديد السعر النهائي.

ثانيا: تسقيف أسعار المواد الأساسية:

إن استمرار تسقيف أسعار القمح والأرز والسكر والزيت، وإضافة اللحوم إلى القائمة، يظل إجراء محدود الفعالية ما لم يقترن بضمان وفرة هذه المواد، ومراقبة حقيقية للتوريد والتوزيع، ومحاربة الاحتكار والمضاربة بصورة مستمرة.

فتحديد الأسعار إداريا لا يكفي إذا ظلت الأسواق خاضعة لاختلالات العرض والطلب، وإذا لم تتوفر آليات فعالة للرقابة والمساءلة. كما أن تسقيف الأسعار يأتي على نحو يقترب دائما من السقف الذي يطلبه التجار.

ثالثا: تعويض أثر التضخم على الموظفين والمتقاعدين

إن الحديث عن تعويض أثر التضخم من خلال زيادات في الأجور والمعاشات أو تقديم دعم مالي مؤقت يكشف عن غياب رؤية واضحة للحكومة، بسبب إغفال تآكل القدرة الشرائية التي لا يعالجها تعويض جزئي عن أزمة المعابر أو انعكاسات الحرب، بل يجب أن تعالج بسياسة مستدامة لمراجعة الأجور والمعاشات بما يتناسب مع الارتفاع الفعلي في تكاليف المعيشة.

رابعا: الدعوة إلى مفاوضات بشأن أجور عمال القطاع الخاص

إن دعوة الشركاء الاجتماعيين إلى مفاوضات عاجلة لرفع أجور العمال الخاضعين للاتفاقية الجماعية خطوة لا يمكن اعتبارها إنجازا اجتماعيا في حد ذاتها.

فالحكومة لا تقدم هنا التزاما برفع الأجور، وإنما تكتفي بالدعوة إلى التفاوض، وكأن حماية القدرة الشرائية للعمال مسألة اختيارية أو رهينة بما قد تسفر عنه المفاوضات.

وكان الأجدر أن تعلن الحكومة عن دعوة إلى مفاوضات اجتماعية عامة، وأن تلتزم بجدول زمني للمفاوضات وبآليات تضمن تنفيذ نتائجها، مع إيلاء عناية خاصة للعمال ذوي الأجور الدنيا. فحصر الإجراء في العمال الخاضعين للاتفاقية الجماعية يطرح سؤالاً جوهرياً حول مصير بقية العمال، ولا سيما الموظفين العموميين والعاملين في القطاع غير المصنف والقطاعات التي لا تشملها اتفاقيات جماعية فعالة.

وهنا نذكر بالظلم البين الذي تمارسه وزارة الوظيفة العمومية والعمل على الكونفدرالية الوطنية للشغيلة الموريتانية CNTM حيث تقصيها مما له علاقة بالقطاع الخاص بما في ذلك مراجعة الاتفاقية الجماعية، رغم أن الكونفدرالية ممثلة على المستوى الوطني الشامل للقطاعين بنص المقرر المحدد للمركزيات النقابية الأكثر تمثيلا.

خامسا: التكفل بجزء من فواتير الماء والكهرباء

إن التكفل المؤقت بجزء معتبر من فواتير الماء والكهرباء للأسر محدودة الدخل لا يمثل حلا مستداما، بل مساعدة ظرفية لا تعالج الأسباب التي تجعل هذه الخدمات تثقل كاهل الأسر.

وكان الأولى وضع تعريفة اجتماعية دائمة، تستند إلى معايير واضحة للدخل والاستهلاك، وتضمن حق الفئات محدودة الدخل في الحصول على هذه الخدمات الأساسية بأسعار تتناسب مع قدرتها المالية.

هذا فضلا عن توفير الخدمة أصلا، فإن انقطاع الكهرباء اليوم يتكرر في اليوم تكرر الصلوات مع فارق المدة التي قد تصل إلى ساعات.

سادسا: توسيع قاعدة المستفيدين من الدعم الاجتماعي

إن توسيع قاعدة المستفيدين من الدعم المقدم لذوي الإعاقة وأصحاب الأمراض المزمنة أمر إيجابي من حيث المبدأ، لكنه يظل ناقصا ما لم يقترن بزيادة قيمة الدعم، وضمان انتظام صرفه، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية ليشمل مختلف الفئات الهشة التي لا تتوفر لها موارد كافية للعيش الكريم.

سابعا: تثبيت أسعار الأعلاف وحفر الآبار الرعوية

إن تثبيت أسعار الأعلاف وبيعها بسعر التكلفة عند الاقتضاء وحفر الآبار الرعوية إجراءات مهمة من حيث المبدأ، لكنها تظل رهينة بمدى توفر الكميات، وعدالة توزيعها، وشفافية عمليات الشراء والتخزين والتسويق، فضلا عن ضرورة أن تكون مشاريع حفر الآبار جزءا من سياسة مستدامة لدعم الثروة الحيوانية والتنمية الرعوية، لا مجرد تدخلات موسمية.

إن القراءة المتأنية لهذه الإجراءات تكشف عن ثلاث مشكلات أساسية:

-غياب الالتزامات المحددة: فلا نسب معلنة لزيادات الأجور والمعاشات، ولا آجال واضحة للتنفيذ، ولا التزامات مالية محددة يمكن مساءلة الحكومة بشأنها.

-غلبة التدابير الظرفية على الإصلاحات الهيكلية: فمعظم الإجراءات تتعامل مع انعكاسات الأزمة بدلا من معالجة الاختلالات المزمنة التي تجعل القدرة الشرائية للمواطن عرضة لكل ارتفاع في الأسعار.

-غياب الرؤية الاجتماعية المتكاملة: فلا نجد تصوراً واضحاً لربط تطور الأجور والمعاشات بتطور تكاليف المعيشة، ولا سياسة مستدامة لتوسيع الحماية الاجتماعية وتحسين توزيع الدخل.

إن حماية القدرة الشرائية ليست مجرد تسقيف لبعض الأسعار، أو تقديم مساعدات مؤقتة، أو الدعوة إلى مفاوضات بشأن الأجور؛ بل هي مسؤولية اجتماعية واقتصادية تقتضي سياسات واضحة، والتزامات قابلة للقياس، وآليات تنفيذ ورقابة ومساءلة.

إن المواطن لا يحتاج إلى قائمة جديدة من الوعود والإجراءات المحتملة، بقدر ما يحتاج إلى تحسن حقيقي وملموس في دخله ومستوى معيشته. والعمال لا ينتظرون من الحكومة أن تدعوهم إلى التفاوض فحسب، وإنما ينتظرون منها إرادة سياسية جادة تضمن لهم أجوراً عادلة تحفظ كرامتهم وتواكب تكاليف الحياة.

ومن هنا، فإن جدية البرنامج الحكومي لا ينبغي أن تقاس بعدد التدابير التي يتضمنها، وإنما بما سيترتب عليها من نتائج فعلية في حياة المواطنين، وبمدى استعداد الحكومة لتحويل ما أعلنته إلى التزامات محددة، ممولة، ومؤطرة بآجال زمنية واضحة.

لقد طرحنا على معالي الوزير الأول في لقاءات سابقة ضرورة مراجعة الهياكل الإدارية لوزارات ومؤسسات الدولة لترشيد النفقات ومحاربة الفساد، وهو ما ينعكس إيجابا لا محالة على الميزانية ويهيؤها لتحمل أعباء مشاريع تنموية واعدة، غير أن إرادة الإصلاح القادرة على اتخاذ مثل تلك القرارات ما تزال غائبة.

  • Related Posts

    جامعة نواكشوط وجامعة أدرار الجزائرية تبحثان آفاق التعاون الأكاديمي

    أخباراليوم.   ​التقى رئيس جامعة نواكشوط، علي محمد سالم البخاري، أمس السبت في نواكشوط، وفدا من جامعة أدرار الجزائرية. وخلال اللقاء تم بحث سبل تفعيل بنود اتفاقية التعاون الموقعة بين الجامعتين. …

    اقرأ المزيد

    أمين عام كونفدوالية الشغيلة الموريتانية يكتب: هامش على المحور الاجتماعي في برنامج الحكومة

    أخبار اليوم.  تابعنا ما ورد في الجانب الاجتماعي من برنامج حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي، وهو وإن بدا في ظاهره استجابة لبعض المطالب الاجتماعية الملحة، فإنه لا يرقى…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    الإطار المنيه لد أخيارهم .أحد الفاعلين السياسين القلائل في المشهد السياسي في الوطن..

    • نوفمبر 8, 2026
    الإطار المنيه لد أخيارهم .أحد الفاعلين السياسين القلائل في المشهد السياسي في الوطن..

    عاجل 21 قتيلاً في غرق مركب مهاجرين قبالة السنغال

    • نوفمبر 8, 2026
    عاجل  21 قتيلاً في غرق مركب مهاجرين قبالة السنغال

    ولد اجاي: تغلّبنا على مشكلة الطمي في نواكشوط

    • نوفمبر 7, 2026
    ولد اجاي: تغلّبنا على مشكلة الطمي في نواكشوط

    الوزير الأول: سنطلق مسارا لإعداد رؤية “موريتانيا التي نريد 2060”

    • نوفمبر 7, 2026
    الوزير الأول: سنطلق مسارا لإعداد رؤية “موريتانيا التي نريد 2060”

    عاجل وفد إيراني إلى الدوحة.. وواشنطن تبحث اتفاقاً سريعاً

    • نوفمبر 7, 2026
    عاجل وفد إيراني إلى الدوحة.. وواشنطن تبحث اتفاقاً سريعاً

    مايزيد علي 266 مركبة ودراجة و10 مسيرات لتأمين العاصمة نواكشوط

    • نوفمبر 7, 2026
    مايزيد علي 266 مركبة ودراجة و10 مسيرات لتأمين العاصمة نواكشوط