أخباراليوم. في خضم التحولات المتسارعة التي تعرفها المنطقة، لم يعد من السهل إصدار أحكام قطعية حول موازين القوة. فالأحداث الأخيرة أفرزت واقعًا أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد الخسارة تعني بالضرورة التراجع، كما أن التفوق المادي لم يعد وحده معيار الهيمنة.
لقد حاولت قراءات عديدة – من بينها طرح للكاتب مجدى شاهين – التأكيد على أن إيران، رغم ما تعرضت له من ضربات، لم تخرج من المشهد منهكة بالكامل، بل ربما اكتسبت نوعًا مختلفًا من القوة. ورغم أن هذا الطرح جاء من زاوية غير منحازة لإيران، بل بدافع التحذير لدول الخليج، فإنه يقر ضمنيًا بأن طهران استطاعت تحويل جزء من خسائرها إلى أوراق ضغط جديدة.
غير أن تفسير هذه “القوة” باعتبارها نابعة فقط من فقدان إيران لما تخشى خسارته، يبدو تفسيرًا قاصرًا. فالدول لا تتحرك فقط بدافع اليأس أو الاندفاع، بل وفق استراتيجيات طويلة المدى، تتداخل فيها الجغرافيا مع العقيدة السياسية، والقدرات العسكرية مع أدوات النفوذ غير المباشر.
إيران اليوم لا تستمد موقعها من لحظة ضعف، بل من تراكم عوامل عدة، من أبرزها قدرتها على إدارة الصراع خارج حدودها التقليدية، واستثمارها في أوراق جيوسياسية حساسة، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يشكل أحد أهم مفاتيح التأثير في الاقتصاد العالمي.
في المقابل، تبدو دول الخليج أمام معادلة مختلفة. فهي تمتلك من الموارد والإمكانات ما يؤهلها لبناء قوة إقليمية وازنة، لكنها في الوقت ذاته شديدة الحرص على حماية مكتسباتها الاقتصادية واستقرارها الداخلي. هذا الحرص، وإن كان مبررًا، قد يتحول أحيانًا إلى عامل كبح للمبادرة الاستراتيجية.
ومن هنا، يبرز خلل في الوعي السياسي الإقليمي، حين يتم تقديم إيران كعدو مطلق، في إطار سردية تخدم في كثير من الأحيان مصالح قوى خارجية، أكثر مما تعكس حقيقة التوازنات داخل المنطقة. فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على التصنيفات الجامدة، بل على قراءة دقيقة للمصالح المشتركة ومجالات التنافس.
إن الاستمرار في استدعاء الحماية الخارجية، دون العمل الجاد على بناء عناصر القوة الذاتية، يضعف القدرة على اتخاذ القرار المستقل. ولا يمكن لأي دولة، مهما بلغت ثروتها، أن تضمن أمنها على المدى الطويل دون الاستثمار في الإنسان، والعلم، والتكنولوجيا.
في هذا السياق، يصبح من المشروع طرح تساؤل صريح: هل آن الأوان لإعادة ترتيب الأولويات؟ ليس بالضرورة عبر القطيعة مع التحالفات الدولية، بل من خلال بناء توازن جديد يقوم على:
تعزيز القدرات الذاتية
تنويع الشراكات
والانفتاح على حوار إقليمي عقلاني
إن الدعوة إلى الحوار مع إيران لا ينبغي أن تُفهم كتنازل، بل كخيار استراتيجي لتفادي الاستنزاف المستمر. فالتاريخ يعلمنا أن الصراعات المفتوحة لا تُحسم بالقوة وحدها، بل بإيجاد صيغ للتعايش والتوازن.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بتحديد من هو الأقوى، بل بمن يمتلك الرؤية الأعمق لإدارة هذه المرحلة. فالقوة الحقيقية لا تكمن فقط في امتلاك أدوات الضغط، بل في القدرة على توظيفها بحكمة، ضمن مشروع يحقق الاستقرار ويحفظ مصالح الشعوب.
إن المنطقة اليوم ليست في حاجة إلى مزيد من الاستقطاب، بقدر ما تحتاج إلى شجاعة التفكير خارج منطق الصراع، وبناء مستقبل يقوم على التوازن لا الغلبة.








