موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

 

أخباراليوم.  لايمكن فهم مأزق الدولة في موريتانيا بوصفه خللًا إداريًا أو تعثرًا تنمويًا عابرًا، بل بوصفه أزمة عقد اجتماعي. فالدولة الريعية لا تفشل لأنها فقيرة، بل لأنها غنية بما يكفي لتؤجل الإصلاح، وفقيرة بما يكفي لتعجز عن بناء الشرعية.

عند جان جاك روسو، لا تقوم الدولة إلا على عقدٍ واضح:
يتنازل الأفراد عن جزء من حريتهم مقابل حماية القانون والمصلحة العامة. الشرعية هنا لا تُمنح، بل تُنتَج من التزام متبادل بين الحاكم والمحكوم. غير أن الدولة الريعية تكسر هذا المنطق من أساسه، لأنها لا تحتاج إلى موافقة المجتمع ما دامت لا تعيش من جهده.

في موريتانيا، لا تقوم العلاقة بين الدولة والمواطن على ما سماه روسو “الإرادة العامة”، بل على إرادات جزئية: زبونية، قبلية، جهوية، ووظيفية. فحين لا يدفع المواطن ضريبة حقيقية، لا يشعر بأنه شريك في الدولة، وحين لا تحتاج الدولة إلى ضريبته، لا تعترف به كمصدر للشرعية. وهكذا يتحول العقد الاجتماعي إلى مجرد خطاب رمزي، بينما يُدار الواقع بمنطق الريع.

أما توماس بيكتي، فيقدّم مفتاحًا اقتصاديًا حاسمًا لفهم هذا الانكسار. فحين تكون العائدات المتأتية من رأس المال (الريع) أعلى وأسرع من العائدات المتأتية من العمل، تتجه المجتمعات نحو تركّز الثروة وتجمّد الحراك الاجتماعي. الريع، بحسب بيكتي، ليس مجرد دخل، بل آلية لإعادة إنتاج اللامساواة عبر الزمن.

وهذا ما يحدث في موريتانيا:
ثروات طبيعية ضخمة (الحديد، الصيد، الأراضي، اليوم الغاز) لا تتحول إلى رأسمال اجتماعي، ولا إلى تعليم منتج، ولا إلى صناعة وطنية، بل إلى ثروة محتكرة سياسيًا. الريع هنا لا يتسرّب إلى المجتمع عبر الإنتاج، بل يُعاد توزيعه انتقائيًا عبر الدولة، بما يرسّخ تفاوتًا بنيويًا ويُفرغ مبدأ تكافؤ الفرص من مضمونه.

في هذا السياق، تصبح الدولة – paradoxically – قوية وضعيفة في آنٍ واحد:
قوية لأنها الموزّع الوحيد للثروة،
وضعيفة لأنها بلا قاعدة ضريبية، وبلا طبقة وسطى مستقلة، وبلا ضغط اجتماعي منظّم.

روسو كان سيصف هذا الوضع بدولةٍ بلا مواطنين، وبيكتي كان سيصفه باقتصادٍ بلا عدالة توزيع. والنتيجة السياسية واحدة: هشاشة مزمنة. فكل أزمة أسعار، أو تبدّل في مزاج المانحين، يتحول إلى ارتجاج سياسي، لأن الشرعية لم تُبنَ من الأسفل.

الانتقال من الدولة الريعية إلى الدولة الإنتاجية، إذن، ليس مجرد خيار اقتصادي، بل إعادة تأسيس للعقد الاجتماعي. دولة تُجبَر على فرض الضرائب، تُجبَر بالتالي على التبرير، وحين تُبرّر تُحاسَب، وحين تُحاسَب تُصلِح. هذا هو المسار الذي ربطه روسو بالشرعية، وربطه بيكتي بالعدالة والاستدامة.

موريتانيا اليوم لا تحتاج إلى موارد جديدة بقدر ما تحتاج إلى نظام جديد لإنتاج الشرعية:
شرعية لا تُشترى بالريع،
ولا تُدار بالولاءات،
بل تُبنى بالعمل، والضريبة، والمساءلة.

السؤال لم يعد: كيف نوزع الريع؟
بل: كيف نُنهي حكم الريع؟

  • Related Posts

    الإطار المنيه ولد أخيارهم.. حضور سياسي لافت في استقبال بعثة حزب الإنصاف بكيهيدي

      أخبار اليوم.  سجّل الإطار المالي المنيه ولد أخيارهم، عضو الأمانة الدائمة لحزب الإنصاف المكلفة بالاقتصاد الأزرق والاقتصاد الرقمي، حضورًا فاعلًا ومميزًا ضمن الأطر والفاعلين السياسيين الذين شاركوا في استقبال…

    اقرأ المزيد

    الوزير الأول السنغالي يدعو لـ”جبهة موحدة” مع موريتانيا لإلزام “بي بي” بالوفاء بالتزاماتها

    أخباراليوم. – دعا الوزير الأول السنغالي أحمدو الأمينو لو اليوم الثلاثاء إلى تشكيل “جبهة موحدة” بين بلاده وموريتانيا من أجل “فرض” مجموعة النفط البريطانية “بي بي” (BP) على “الوفاء بالتزاماتها”،…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية