التعليم بين الحقّ العام ومنطق السلعة

author
0 minutes, 0 seconds Read

 

أخباراليوم.    عدّ توفيرُ التعليمِ النوعي الجيدِ للجميع، وإتاحتُه على أوسع نطاقٍ أفقيٍّ ممكن، الوسيلةَ الأكثرَ نجاعةً واستدامةً لمعالجة الاختلالات الاجتماعية وسدّ الفجوات الطبقية. فالتعليم، حين يُدار بوصفه حقًّا عموميًّا، لا يُنتج معرفةً فحسب، بل يُعيد تشكيل البنية الأخلاقية والاقتصادية للمجتمع، ويمنح الأفراد أدوات الصعود الاجتماعي القائم على الكفاءة والاستحقاق.

غير أنّ تحوّل التعليم إلى سلعةٍ تجارية، لا يقدر على تسديد كلفتها إلا القادرون من الآباء، يُفضي إلى نتيجة معاكسة تمامًا: تثبيت الأوضاع الاجتماعية على ما هي عليه، وإعادة إنتاج الفوارق نفسها بأدوات أكثر نعومةً وأشدّ فاعلية. فحين تُقاس جودة التعليم بالقدرة على الدفع، يصبح النجاح امتيازًا موروثًا، لا ثمرةَ جهدٍ فردي، ويتحوّل الحراك الاجتماعي إلى وهمٍ أخلاقيٍّ تروّجه الخطابات، فيما تنقضه الوقائع.

إنّ أخطر ما في تسليع التعليم ليس ارتفاع الرسوم فحسب، بل إعادة تعريف الغاية منه. ففي المنطق التجاري، تُختزل المدرسة والجامعة إلى مزوّد خدمة، ويُختزل المتعلّم إلى زبون، وتُختزل المعرفة إلى منتج سريع الاستهلاك. وبهذا الاختزال، تُفرَّغ العملية التربوية من بعدها القيمي، ويُقصى سؤال بناء الإنسان لصالح سؤال الجدوى السوقية الآنية.

كما أنّ هذا التحوّل يُنتج ازدواجية تعليمية حادّة: مسارٌ خاصٌّ عالي الجودة للأغنياء، ومسارٌ عموميٌّ مُنهكٌ للفئات الواسعة. ومع الزمن، تتحوّل هذه الازدواجية إلى قدرٍ اجتماعي، تُرسَّخ عبره أشكال جديدة من التمييز، أكثر تعقيدًا من التمييز الطبقي التقليدي، لأنها تتخفّى خلف خطاب «الاختيار الحر» و«تكافؤ الفرص».

في المقابل، لا يعني الدفاع عن التعليم العمومي إنكارَ دور القطاع الخاص، بل ضبطَه ضمن رؤيةٍ وطنيةٍ شاملة، تجعل من الدولة الضامنَ الأول لجودة التعليم وعدالته، ومن السياسات العمومية أداةً لإعادة التوازن، لا للتخلّي. فالتعليم، في جوهره، استثمارٌ طويل الأمد في الإنسان، لا مشروعُ ربحٍ قصير النفس.

وعليه، فإنّ أي إصلاحٍ تربويٍّ لا ينطلق من اعتبار التعليم حقًّا أساسًا، ويضع العدالة والجودة في قلب المنظومة، سيظلّ إصلاحًا شكليًّا، يُجمّل الواجهة ويترك الأساس متصدّعًا.

الالتفاف على الإصلاح: من القرار إلى الممارسة

يمكن توصيف هذه الممارسة اصطلاحيًا بوصفها «خصخصة مقنَّعة للتعليم العمومي»، أو «ازدواجية تعليمية غير معلنة»، حيث يظلّ التلميذ عموميًا في السجلات، خصوصيًا في الواقع، وتغدو المدرسة العمومية مجرّد غطاء إداري لمنطق السوق.

ويبرز هذا الخلل بوضوح في ما رافق الإصلاح التربوي الأخير، حين قرّرت الوزارة قصر ما سمّته «المدرسة الجمهورية» على المرحلة الابتدائية وحدها، مع سحب التعليم الخصوصي منها تدريجيًا بمعدّل مستوى واحد كل سنة. وقد تمّ إلى الآن سحب السنوات: الأولى والثانية والثالثة والرابعة، أي الحلقتين الأُوليين من التعليم الأساسي، على أن تُسحب السنة الخامسة في الموسم الدراسي القادم، تليها السنة السادسة في السنة التي بعدها.

غير أنّ الممارسة على الأرض كشفت عن مسارٍ موازٍ، التفّ على روح القرار وإن التزم شكليًا بنصّه. فقد نشأت، في صمتٍ غير معلن، ترتيبات بين بعض أولياء الأمور ومديري المدارس الخصوصية من جهة، ومديري مدارس عمومية من جهة أخرى، تقوم على تسجيل الأطفال إداريًا في المدارس العمومية خلال السنوات الأربع الأولى، بينما تتولّى المدارس الخصوصية فعليًا تدريسهم.

ويتمّ هذا الالتفاف مقابل مبالغ مالية تُدفع لبعض مديري المدارس العمومية، على أن تُقدَّم نتائج الامتحانات والوثائق المدرسية باسم المدرسة العمومية إلى المصالح المعنية، بما يتيح للطفل الحصول على رقم وطني مدرسي، ويُظهره ضمن منظومة «المدرسة الجمهورية» وهو، في الواقع، خارجها.

من الناحية القانونية، لا يمثّل هذا السلوك مجرّد انحراف أخلاقي أو تربوي، بل يُعدّ خرقًا صريحًا للقرارات الإدارية المنظمة للإصلاح، وانتهاكًا لمبدأ المشروعية الذي يفرض على الإدارة وموظفيها التقيد الصارم بالقوانين والتعليمات السارية. كما يندرج ضمن إساءة استعمال الوظيفة، والتواطؤ الإداري، وتزوير الواقع التربوي عبر تقديم معطيات غير مطابقة للحقيقة للسلطات الوصية.

إنّ خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في تقويض العدالة التعليمية، بل في تحويل الدولة نفسها إلى طرفٍ مُفرَّغ الإرادة، تصدر القرارات ولا تملك أدوات إنفاذها، أو تغضّ الطرف عن الالتفاف عليها. وبهذا، لا يصبح الخلل خللَ أفرادٍ فحسب، بل خللَ سياسات رقابة، ومتابعة، ومساءلة، تتحمّل الدولة، قبل غيرها، مسؤوليته الكاملة. وحده التعليم العادل، المتاح للجميع، القادر على كسر الحلقة المفرغة للفقر والتهميش، وبناء مجتمعٍ تتقاطع فيه الكرامة مع الكفاءة، لا الثروة مع الامتياز.

خاتمة

حين نفقد التعليم بوصفه حقًّا، نفقد معه إمكانية الحلم المشترك. وحين نستعيده في المجال العمومي، نستعيد الثقة في المستقبل، ونمنح الأجيال القادمة أكثر من شهادة: نمنحها معنى الانتماء والقدرة على التغيير.

Similar Posts