إشكالية الماء في الهندسة المدنية: بين ضرورة الاستعمال ومخاطر التأثير / محمد محمود ولد الصيام

author
0 minutes, 0 seconds Read

أخبار اليوم.   تطفو على سطح ذاكرتي دائمًا عبارة كان يرددها أحد أساتذتي الفضلاء : “الماء هو الحياة، لكنه في الهندسة المدنية هو الموت.”
هذه العبارة البسيطة تكشف عن مفارقة عميقة: فالماء الذي يُحيي الأرض والإنسان والحيوان، قد يصبح في عالم الأشغال والبنى التحتية خصمًا خطيرًا، يهدد استقرار المنشآت، ويقصر أعمارها الافتراضية، بل أحيانًا يتسبب في انهيارات مأساوية.
من جهة أولى، لا يمكن تصور أي مشروع عمراني أو هندسي دون ماء.
فهو العنصر الأساسي في صناعة الخرسانة، المادة الأكثر استعمالًا في العالم بعد الماء نفسه.
وبفضل تفاعله الكيميائي مع الأسمنت، يخلق مادة متينة تقف في وجه الزمن، وتشكل أساس الطرق والجسور والمطارات والمباني والسدود.
كما أن الماء هو شريان الحياة في شبكات التوزيع: فهو الذي يروي المدن والقرى، ويؤمن الصحة العامة من خلال توفير مياه صالحة للشرب، ومياه للغسيل والتنظيف والنظافة.
ودونه لا وجود لأنظمة صرف صحي أو خدمات بلدية تحمي البيئة والصحة العامة.
إضافة إلى ذلك، يشكل الماء قلب المشاريع الزراعية: فالسدود والخزانات والقنوات المائية هي أدوات لتحويل أراضٍ قاحلة إلى حقول منتجة، ولضمان الأمن الغذائي لملايين البشر.
بل إن مشاريع كبرى للتنمية الاقتصادية في دول عديدة بُنيت على حسن استغلال هذا المورد.
ولا يقف دوره عند الزراعة، بل يتعداه إلى الصناعة والطاقة: فهو عنصر تبريد للمحطات، ووسيلة لتوليد الكهرباء في السدود الكهرومائية، ومكوّن أساسي في جميع البنى التحتية ذات الطابع الصناعي.
لكن الوجه الآخر للماء في الهندسة المدنية لا يقل حضورًا، بل قد يكون أكثر فتكًا:
تسربات المياه إلى الأساسات يمكن أن تضعف التربة الداعمة، فتفقد المباني استقرارها وتتعرض لخطر الانهيار ،فكم من عمارة حديثة شُيدت بسرعة انهارت بسبب غياب عزل مائي جيد أو بسبب تهاون في دراسة منسوب المياه الجوفية.
غياب أنظمة تصريف فعّالة يجعل الطرق عرضة للتشقق والانهيار المبكر.
الأمطار التي تتراكم فوق الإسفلت تتحول مع مرور الزمن إلى حفر، تزيد من مخاطر الحوادث، وتكلف  مبالغ طائلة في أعمال الصيانة الدورية.
السيول والفيضانات التي تشهدها المدن في مواسم الأمطار ليست مجرد ظواهر طبيعية، بل امتحان حقيقي للهندسة المدنية.
فإذا لم تُصمم شبكات تصريف قادرة على استيعاب التدفقات، تتحول الشوارع إلى أنهار، وتنهار الجسور، وتنجرف التربة من تحت قواعد المنشآت.
الرطوبة الدائمة داخل المباني تفتح الباب أمام الصدأ في الهياكل المعدنية، والتآكل في الخرسانة المسلحة، فضلًا عن خلق بيئة غير صحية تؤثر على حياة القاطنين.
لهذا يُقال إن النجاح في المشاريع العمرانية لا يقاس فقط بجودة ما يُرى فوق الأرض، بل أيضًا بصلابة ما يُخفى تحتها: شبكات تصريف محكمة، طبقات عزل مائي متينة، ودراسات هيدرولوجية دقيقة تسبق أي حفر أو صب.
الهندسة المدنية في جوهرها ليست مجرد “فن البناء”، بل هي فن التعايش مع الماء: كيف نحوله من خصم محتمل إلى حليف دائم. كيف نجعل منه قوة بناء لا قوة هدم. وكيف نوازن بين ضرورته للحياة وضرورته للبقاء الآمن للمنشآت.
إن العبارة التي أطلقها أستاذ الهندسة الجيوتقنية لا تزال تلخص الحكمة الأساسية:
الماء هو الحياة، لكن من دون وعي هندسي يصبح الموت البطيء للبنى التحتية.
ولذلك، يبغي إدراك أن الاستثمار في أنظمة التصريف والعزل المائي ليس كماليات، بل هو صلب التنمية المستدامة وحماية المنجزات.

المهندس محمد محمود ولد الصيام- مهندس في الهندسة المدنية

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *