-
أخبار اليوم. روضة الأنوار في مولد النبي المختار صلوات الله وسلامه عليه
الحمد لله الواحد الأحد الصمد، الذي رفع السماء بلا عمد، ورزقه يجري على طول الأمد، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث بالهدى والرشد.
وبعد؛
فإنه من المنن الربانية على أهل الإيمان، بعث النبي العدنان عليه الصلاة والسلام ما تعاقب الملوان، الذي أرسله الله إلى العالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، هدى به من الضلالة، وأخرج به من الظلمات إلى والنور، ومن حكمة الله البالغة أن جعل العالم يتنفس من غلواء الجهالة، بعد ميل عن جادة التوحيد، والعكوف على عبادة الأوثان، فقد اجتالتهم الشياطين عن الحق وأغوتهم وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، فتفضل الكريم الرحيم جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره على ولد آدم بالرسالة المحمدية لتكون إيذانا ببزوغ فجر جديد، يرد البشرية إلى الصراط المستقيم، وكان مجيء الرحمة المهداة للعالمين على فترة من الرسل، ليذكر أتباع الرسل بما بشرت به أنبياؤهم من مقدم الرسول الخاتم، يقول الحق تبارك وتعالى:﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. (المائدة: 19)، يقول القرطبي: “والمعنى، مضت للرسل فترة قبله” ، ويقول ابن سعد : “وكان بين ميلاد عيسى عليه السلام والنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسعٌ وستون سنة”، والمنتظر إذا طالت مدة انتظاره تشوفت له القلوب قبل الأبصار، إذ أهل الأرض كلما طال عهدهم بخبر السماء نكصوا على أعقابهم، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم:{وإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عَربَهُم وعَجَمُهُم إلا بقايا من أهل الكتاب}.(صحيح مسلم، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار).
ثم إن مدارسة السيرة النبوية – على صاحبها أفضل والصلاة والسلام- في شهر ولد فيه، هي في الحقيقة بيان لجوهر الرسالة التي حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس جميعا قولا وفعلا، وأمرا ونهيا، وتوجيها وسلوكا، فغير بها وجه العالم المشرب بحمرة الخطايا، عالم لم يتورع فيه الأب عن وأد فلذة كبده، ولم يرتدع آكل أموال الناس بالباطل عن ظلمه، ولم يتردد قوي عن الدوس على الضعيف واهتضام حقوقه، لهو حقيق بأن تقلب موازينه رأسا على عقب، وأن يُنتهج للإنسانية سبيل يسير بها إلى العدل والإحسان والرحمة.
ستظل السيرة العطرة للنبي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، هي المنهل الصافي الذي تستمد منه الأجيال معينا وزادا، نواجه بهما تحديات العصور المتتالية، إذ لا يصمد في طريق الفتن إلا متمسك باتباع السنة، ولو تأمل الناظر في ينابيع الأنوار لوجد العجب العجاب، من الطمأنينة وراحة النفس وتعلق القلب، وتلك حالة وجدانية تلازم المحب للنبي صلى الله عليه وسلم، الذي لا يتم إيمان مؤمن حتى يكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين، محبة تظهر آثارها في روضة القلب، وبناء الفكر، وصدق العاطفة، وحسن الاتباع، إنها انقداح الحب الذي يرزق منه المحب بقدر حظه من الأنوار، فإذا غرف منه أحب صاحب السيرة العطرة عليه الصلاة والسلام، وتمنى لو رآه وإن افتدى برؤيته بالنفس وما خول من الدنيا.
ولد سيد ولد آدم وخاتم المرسلين رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعب بني هاشم، صبيحة يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، ويوافق ذلك عشرين أو اثنين وعشرين من شهر أبريل سنة (571) من الميلاد، ولأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنوشروان، ذكره صاحب الرحيق المختوم، وذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول على المشهور في سيرة ابن هشام، وذكر الذهبي أنه لعشر ليال خلون من ربيع الأول، وقيل: لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، وكان ذلك عام الفيل، ولم يرد خلاف في تحديد اليوم أي يوم الاثنين، ومما يؤكده أنه لما سئل عن صيام يوم الإثنين؟، قال:{ذاكَ يوم ولدتُ فيه، ويوم بعثت- أو أنزل علي فيه}.(صحيح مسلم، كتاب الصوم، باب استحباب ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس).
وقد رأت أمه حين ولدته نورا أضاء لها قصور بصرى بالشام، وقد روي أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت، روى ذلك الطبري والبيهقي وغيرهما.
ورد أن قابلته الشفاء بيت عمرو أم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فأرسلت إلى جده تبشره بالولادة، وورد أنه ولد مختونا مسرورا، فأعجب ذلك عبد المطلب وحظي عنده، وأطعم الناس كما كان العرب يفعلون، وقال: ليكونن لابني هذا شأن، ذكره ابن سعد في الطبقات، وورد أنه من بشره دخل به الكعبة ودعا الله وشكر له، ذكره ابن هشام والطبري وابن سعد.
يقول سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام:{إني عبد الله وخاتم النبيين وإن آدم لمُنْجَدِل في طينته، وسأخبركم عن ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى لي، ورأت أمي حين حملت بي كأن نورا خرج منها أضاءت له قصور بُصرى من أرض الشام}.(أخرجه أحمد، وابن إسحاق، والذهبي).
وروى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله قال: «قالوا يا رسولَ اللهِ متى وجبت لك النبوةُ قال:{ وآدمُ بين الروحِ والجسدِ}».
إنه أكرم الخلق وحبيب الحق، وأفضل الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم وبارك.
وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين.
أمة الله الفقيرة إلى رحمته وفضله رقية أحمد منيه.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله أنت أستغفرك وأتوب إليك