جلالة مقام الأعراض تقتضي عن البصمة الإعراض.  الدكتور أحمد سالم ما يأبى

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه.

التدوينة الماضية، وهذا نصها:

“بين يدي الجمعة: حروف للمغتربين

طبتم مقيلا وسعدتم سبيلا؛

لا تغتروا بما يثار من حين لآخر؛ تشكيكا في طهارة وعفة محصناتكم، فالأعراض سوّرتها الشريعة، وأوجبت حد القاذف، ما لم يأت ببينة قاطعة، وما هو آت بها، ثم حسمت الأمر، فجعلت الولد للفراش..

 

لذلك؛ لا قيمة شرعا ولا عقلا لفحص البصمة الوراثية أو الجينات الوراثية DNA

 

لا قيمة له شرعا، لما سبق تقريره من نص صريح وقاعدة شرعية، ولا قيمة له عقلا، لأن العلم التجريبي نسبيٌ كله، وخاضع للتغيير دائما، وتجاربه ومراجعاته ينسف بعضها بعضا، فما هو محل إجماع اليوم يصبح محل خلاف غدا، وما كان دواء لا غنى عنه يصبح داء، وتتم مصادرته من المخازن، ويعاقب من يستخدمه، وما كان هكذا لا يمكن أن يكون مرجعا، ثم إن فحوص الدم المخبرية بالذات، تتأثر بكميات المواد اللازمة لإجرائها؛ كما ونوعا وقراءة، فما تثبته بعضها مرضا محققا تنفيه أخرى، وما تؤكده مختبراتٌ إصابةً بليغةً، تفيد نظيراتُها أنه مجرد بدايات وهكذا..

 

لكنه على كل مغترب بذل الجهد في لم الشمل وجمع الأهل ما استطاع لذلك سبيلا َ، وحين لا يبقى للزوج مجال غير العيش تحت لهيب الشك فالسداد يكون في التسريح بالمعروف {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته}.

 

هذا التدوينة لم تخصص للحديث عن البصمة الوراثية، ولا موقف الشرع منها، بل هي حروف قصيرة، موجهة للمغتربين، تناولت ما يتعلق بنسب أبنائهم، وأنه جزء من أعراضهم، وأن البصمة يتعين عدم إدخالها في تحديده، فهي لا تنفيه في رأيي الشخصي، المؤسس شرعا وعقلا، ومما يحمد الله عليه؛ أن هذا الرأي كان داعيا حميدا لإسالة حبر زاك، وإن وجد فيه البعض فرصة للاجتزاء بعناوين المنصات والمواقع، دون العودة لصميم الجُمل الموجهة للمغتربين أساسا..

 

طبيعة التدوين في فضاء “مارك” من ميزاتها الاختصار، ودائما تكون التدوينة خاطرة أو إنارة عاجلة يستدعيها أو يطلبها أمر أربك القراء شأنه..

 

أقول لأولئك العلماء الشباب ولكل الباحثين وأساتذة الجامعات الذين نظروا لمقاصد الشريعة ونصوصها فزكوا الفكرة وزادوها إيضاحا ومتانة: حمد الله صنيعكم وبارك حبركم، ولأولئك الذين اجتزأوا فهجموا وجعلوا الأمر كفرانا بالعلم التجريبي أقول: سلاما عليكم.

 

ولمن تشوشت أذهانهم أكتب ما يلي:

ما كتبته لا يتعلق بقضية محددة، فلا علم لي مطلقا بملف بين يدي القضاة، يتوقف الحكم فيه على ما ستقوله فحوص البصمة.

 

الحديث موجه أساسا للمغتربين الذين يعانون ألم الغربة، وألم الشك في مصوناتهم، الذي لا داعي لها لأن العاقل حين يختار زوجته، تتعين عليه معاملتها بالمثل {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} وأوله وأولاه منحُها الثقة التامة، الممنوحة لنظائرها، فحادثات اللعان، وقضايا اللجوء للبصمة الوراثية مسائل نادرة معزولة، لا يمكن أن تشكل طعنا فيما تقرر من استقامة الزوجات ووجوب الوثوق بهن فهو الحال الغالب وخاصة في مجتمعنا وبلدنا.

 

الشريعة تعرف ضعف البشر، وسطوة العواطف، وكثرة المغريات التي ولدت مصاحبة لفطرة الشهوة، وقد عالجتها بالابتعاد عن التشهير والفضح والركون للريبة، واتجهت نحو وجوب الستر، فجعلت إقامة الأدلة على هتك الأعراض شبهَ مستحيلة؛ صونا لهذا الاتجاه، وقد ناقش الصحابة هذا في عهدهم، وهم من هم؛ غيرة ومروءة، وقد حملوه لرسول الله صلى عليه وسلم، ولم يرد أن يتجاوز هذا المبدأ، فإما البينة – وهي عملية غير ممكنة – أو ترتد التهمة حدا يقام على صاحبها.

 

معلوم أنه وجدت في العهد النبوي قرائن داعية للطعن في الأعراض، ولكن الشريعة تأولت أن المولود الذي لا يوجد شبهّ بينه وبين أبيه، قد يكون يشبه أباه العاشر، وقد ضرب صلى الله عليه وسلم لذلك مثلا يدركه أهل تلك البيئة، فردهم لما يشاهدون في إبلهم من اختلاف الألوان، ثم قال: “لعله نزعه عرق”، وهو إغلاق نهائي لهذا الباب لمن ألقى السمع، فخفف من حدة معارضة الشريعة والاستسلام للتجربة والمختبرات التي تمرضنا أدويتها حينا، وتعالج أعراض أمراضنا حينا آخر، أو تخفف منها دون أن يمتد البرء للمرض، لأن بقاءه هدف لتاجر الأدوية راعي الصناعة الطبية.

 

بخصوص الذين عارضوا الرأي الشخصي، أو عجلوا عن فهمه في حدوده، أعرب لهم: أننا نؤمن بوجود ناس يعارضون الشريعة جملة وتفصيلا، وبيننا ناس يروجون للفجور، ومهمٌ عندهم ضياع الأنساب، وسيتفكهون بفتح ملفات الأسر ليجدوا مجالا للمز والهمز..

 

ليس هنالك أحد أولى بعلم التجربة من أحد، وكلنا نستفيد منه، ومنه نتضرر، وتلك ضريبته، فهو متطور، متغير، ونسبي كما قلت في المقالة السابقة، وأضيف: أنه في باب الأغذية، لا مجال لرفضه، لأنه يجرب على آلاف الأشخاص، ونتيجته المصدقة سلبا أو إيجابا بادية للعيان، فكون القمح مغذيا وكون الشعير مليئا بالألياف، وكل مليء بالألياف سهل على القولون مفيد للهضم… يصدقه ما يحسه الناس من نتائج مباشرة في أجسادهم وراحتهم، وكون نقص فيتامين “د” ينتج خمولا وتخدرا وتعبا فذلك مشاهد، وكون المرء بعد استعمالها يتجدد نشاطه، ويستعيد عافية، قضية ثابتة محسوسة، وقس على هذا جل فحوص الدم، وكثيرا من الأشعة التي تكشف عِللاً محددة، أعراضها بادية وبتيسير الله شفاءَها يوافق علاجُها المُعانيَ، فيصح، وتعود له عافيته..

 

ولا يمكن القفز على أن كثيرا من الفحوص تأتي بنتائج غير دقيقة، وفي حالات متعددة يضطر الأطباء لإعادتها، وكذلك تفعل الأشعة إلا أن الحكم للغالب..

 

أما قضية فحص الحمض النووي في جزئها المتعلق بالنسب فمختلفة تماما، لأنها في جميع مآلاتها؛ سلبا او إيجابا نفيا أو إثباتا تكشف سترا لا تريد له الشريعة أن يزاح غطاؤه، وتهون جلالة مقام قررت الشريعة أن يظل مهيبا، ثم إن نتائجها لا يمكن أن تُحسّ، فيشهد بها الجميع كما هو الحال في الأمثلة السابقة فحصا وغذاء..

 

إنْ هي إلا أخلاط كيماوية تجمّع عيناتها ثم تحفظ في ظروف تختلف من مكان لآخر لتحلل لاحقا من طرف أناس لا تعرف عدالتهم وجل غير المؤمنين منهم لا يعني لهم حفظ النسب شيئا.

 

كون الشفرة أو البصمة الوراثية التي لا يتجاوز اكتشافها أربعة عقود تفيد في المجال الجنائي ويمكن أن تعين في التعرف على بعض المجرمين فيركن لها قاض معين لا يستقيم دليلا كافيا لإلزامنا بقبولها في إثبات النسب، لأن القضاء الجنائي قضاء قناعات، فقد يعتمدها القاضي ليعزز بها قناعته الموجودة سلفا، وقد تتعزز لديه بضميمة قرائن أخرى، لكنها لا ترقى أبدا لتستقل دليلا وحيدا كافيا لما يحيط بها من الشبهات المذكورة، إذ فيها من إضعاف حجيتها ما يقنع غير المتعصب، ثم إنها لا شيء يشهد بصحتها غير الجهاز الذي أظهرها على شاشته، وما يتعلق بأعراض الناس وكرامتهم ونسبهم وبنائهم الأسري وصيانة لحمتهم لا يمكن أن يتم اعتماد دليل كهذا في شأنه..

 

في شرع الله، غير خاف أن كثيرا من الأمور مقامه التوقيف، وما كان توقيفيا لا مجال لتجاوزه بالنسبة للمؤمنين، على أن ما قامت الشواهد الحسية على صدقه تعين قبوله، وما غابت شواهد صدقه فلا داعي للتمسك به، ومنه البصمة الوراثية في مجال النسب، فلو كان لدينا كثير من الآباء في مناطق مختلفة يحسون بنفور من بعض أبنائهم، ولا يشعرون تجاههم بالشفقة والحنان، ثم عمل هؤلاء جميعا فحص الحمض النووي، وطلعت نتيجة غالبهم تقول: إن جل الذين نفر آباؤهم منهم غير أبناء حقيقيين لساغ الإنصات لأنا وجدنا تجربة شهدت لها شواهد محسوسة يستحيل تواطؤ أهلها على الكذب.

 

 ومما يتعين ذكره هنا – وهو الأساس الأهم لهذا الرأي، وما صاحبه بفقيه، ولا مفت، فتلك مقامات لها أهلها – أننا في مجتمع، جل أسره شابة، وكثيرة هي دواعي الاختلاف بين طرفيها، وعديدة هي أسباب الخصومة، ومنها تحمل الأعباء الأسرية التي تتفاحش تكاليفها، فحين يفتح الباب لكل واحد أن يتحقق من صحة انتساب بنيه له عبر فحص الحمض النووي؛ نكون فتحنا باب التفكك الأسري على مصارعه، ومنحنا الفرصة للطائشين أن يعبثوا بوشائج القربى، وأواصر الأرحام، ويكون الذهاب للحمض النووي سيفا مصلتا على رؤوس نسائنا، ووسيلة إذاية يستخدمها من أراد الإهانة والإذلال..

 

خلاصة القول: إن اعتبار البصمة الوراثية دليلا في النسب تأباه العقول الفقهية الناضجة، وترفضه مقاصد الشريعة، ويتعارض صراحة مع حفظ الأعراض، وليس فيه صون المروءات، وهو أكبر تهديد لوحدة المجتمع وتماسك بنائه الأسري.

 

أما ما يتعلق بالعلم التجريبي وأنه لا يتعارض مع الشريعة وأننا في القرن الواحد والعشرين، وأنه من الضروري الانسياق وراء مثبتاته فأقول: إنه لا عاقل ضد العلم التجريبي، ولكن شرع الله عندنا حاكم عليه لا تابع له، وبموجب ذلك نرفض اختلاط الأمشاج خارج أرحامها الطبيعية، ونرفض استئجار الأرحام، لأنه لا تتضح لنا حقيقة من هي الأم؛ أهي صاحبة البويضة، أم صاحبة الرحم، ولم نجد ما نقتنع به شرعا كي نزرع بويضة مخصبة من مني رجل في رحم امرأة ليس بزوج لها.. ومن أجل ذلك نرفض التبرع بالأعضاء لأن أصحابها لا يملكونها، ونرفض نزعها لأن إمراض الصحيح ليس برأي راجح في ضوء ما هو متوفر من الأدلة والقواعد، ونرفض رفع أجهزة الإنعاش عن ميت الدماغ طبيا.. هذا وغيره كثير يتيحه العلم التجريبي وشرع الله يرفضه في نظرنا، والذين يصفوننا بالجمود، نؤكد لهم أنه جمود نفضله على الذوبان، وبقاؤنا في دائرة القرون الوسطى نحبذه على التبخر، مع احترامنا التام لهم في إباحته والدفاع عنه، مسايرة لركب الحضارة الغربية، وقد علمتنا القواعد أن “المعدوم شرعا كالمعدوم حسا”.

 

ما دامت البصمة لا يوجد لها ما يصدقها في الخارج، وما دام ضررها على التماسك المجتمعي خطيرا، فقواعد سد الذرائع ودرء المفاسد، وفي صدارتها تلويث الأعراض، ترفضها مطلقا، كما ترفضها النصوص الصريحة.

 

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

  • Related Posts

    مهرجان آردين يخصص دورته العاشرة لتكريم الفنانة الراحلة ديمي بنت آبه

    أخباراليوم.   قرر القائمون على مهرجان آردين للموسيقى تخليد ذكرى أيقونة الفن الموريتاني، الفنانة الراحلة ديمي بنت آبه، من خلال تخصيص النسخة العاشرة من المهرجان، المرتقبة في مارس 2027، للاحتفاء بإرثها…

    اقرأ المزيد

    انضمام المندوبية العامة للأمن المدني إلى الآلية الدولية للتعاون في مجال الوقاية من الكوارث الطبيعية

    أخبار اليوم.  وافقت الآلية الدولية للتعاون في مجال الوقاية من الكوارث الطبيعية وإدارة حالات الطوارئ خلال المؤتمر الذي عقدته ضمن مبادرة “الحزام والطريق” يوم 6 نوفمبر الجاري في مدينة بيجين…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    الإطار المنيه لد أخيارهم .أحد الفاعلين السياسين القلائل في المشهد السياسي في الوطن..

    • نوفمبر 8, 2026
    الإطار المنيه لد أخيارهم .أحد الفاعلين السياسين القلائل في المشهد السياسي في الوطن..

    عاجل 21 قتيلاً في غرق مركب مهاجرين قبالة السنغال

    • نوفمبر 8, 2026
    عاجل  21 قتيلاً في غرق مركب مهاجرين قبالة السنغال

    ولد اجاي: تغلّبنا على مشكلة الطمي في نواكشوط

    • نوفمبر 7, 2026
    ولد اجاي: تغلّبنا على مشكلة الطمي في نواكشوط

    الوزير الأول: سنطلق مسارا لإعداد رؤية “موريتانيا التي نريد 2060”

    • نوفمبر 7, 2026
    الوزير الأول: سنطلق مسارا لإعداد رؤية “موريتانيا التي نريد 2060”

    عاجل وفد إيراني إلى الدوحة.. وواشنطن تبحث اتفاقاً سريعاً

    • نوفمبر 7, 2026
    عاجل وفد إيراني إلى الدوحة.. وواشنطن تبحث اتفاقاً سريعاً

    مايزيد علي 266 مركبة ودراجة و10 مسيرات لتأمين العاصمة نواكشوط

    • نوفمبر 7, 2026
    مايزيد علي 266 مركبة ودراجة و10 مسيرات لتأمين العاصمة نواكشوط