المساواة لا تتجزأ… والإنصاف لا يقبل الانتقائية / د.أحمد ولد محمد السالك الداه

أخبار اليوم.   إن جوهر العدالة أن تتساوى الحقوق أمام الإدارة، وأن يخضع أصحاب المراكز القانونية المتماثلة للمعاملة نفسها، بعيدًا عن أي تمييز لا يستند إلى أساس قانوني أو موضوعي. فالمساواة ليست شعارًا يرفع، ولا مبدأً يُطبّق انتقائيًا، وإنما التزام مؤسسي وأخلاقي يقتضي إنصاف جميع أصحاب الحقوق دون استثناء.

وفي هذا الإطار، تبرز قضية مجموعة من الأساتذة الذين ابتُعثوا بموجب القرارات الإدارية نفسها، وحصلوا على المؤهلات العلمية ذاتها، وخضعوا للوضعية التدريبية نفسها في ظل قانون التعليم العالي السابق. ورغم وحدة ظروفهم وتماثل مراكزهم الإدارية والأكاديمية، فقد تمت تسوية وضعية بعضهم ودمجهم في سلك التعليم العالي استنادًا إلى أحكام قضائية، بينما لا يزال زملاؤهم، الذين اختاروا اللجوء إلى التظلم الإداري باعتباره مسارًا قانونيًا ومؤسسيًا مشروعًا، ينتظرون إنصافهم وتسوية وضعياتهم.

وهنا يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: بأي معيار قانوني أو إداري يمكن تبرير تسوية وضعية بعض الأساتذة وترك زملائهم، الذين يتقاسمون معهم الأسباب والشروط والمؤهلات نفسها، دون تسوية؟

إن اللجوء إلى القضاء حق مكفول، كما أن التظلم الإداري مسار مشروع لا يقل مشروعية، ولا يجوز أن يتحول اختلاف الوسيلة التي اختارها أصحاب الحقوق إلى مبرر للتمييز بينهم. بل إن احترام المؤسسات يقتضي تشجيع المواطنين على سلوك المساطر الإدارية، والاستجابة لتظلماتهم وفقًا للقانون، لا أن يصبح اللجوء إلى القضاء الطريق الوحيد لضمان الحصول على الحقوق.

وفي ظل النهج الذي أرساه فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، والقائم على ترسيخ قيم الإنصاف والعدالة والمساواة، فإننا نرى أن معالجة هذه القضية ينبغي أن تكون تجسيدًا عمليًا لهذه المبادئ، لا مجرد استجابة جزئية لبعض الملفات دون غيرها.

ومن هذا المنطلق، فإن تشكيل لجنة لتسوية وضعية الأساتذة المستفيدين من أحكام قضائية، مع إبقاء ملفات زملائهم أصحاب الحقوق المماثلة خارج دائرة المعالجة، يطرح إشكالًا حقيقيًا يتعلق بمبدأ المساواة أمام الإدارة، ويستدعي مراجعة شاملة تضمن عدم تجزئة الحقوق أو الانتقائية في إنصاف أصحابها.

كما أن من شأن حصر التسوية في أصحاب الأحكام القضائية أن يبعث برسالة مؤسسية غير موفقة، مفادها أن القرارات الإدارية، مهما كانت سلامة أساسها القانوني، لا تكفي لحماية الحقوق، وأن التقاضي أصبح الطريق الأكثر فاعلية للحصول على ما يمكن أن توفره الإدارة من خلال قراراتها وإجراءاتها. وهو انطباع لا يخدم الثقة في الإدارة، ولا يعزز مكانة المؤسسات، ولا يشجع على تسوية النزاعات عبر القنوات الإدارية.

وتزداد وجاهة هذه المطالبة بالنظر إلى وجود ما يقارب أربعة وأربعين (44) ملفًا لدى وزارة التعليم العالي، سبق عرضها على المجلس الأعلى للتعليم خلال السنة قبل الماضية، حيث صادق المجلس على الملفات المستوفية للشروط الإدارية والأكاديمية، دون اشتراط تقديم أحكام قضائية للاستفادة من التسوية.

وهو ما يجعل من الضروري إعادة النظر في وضعية هذه الملفات، والتعامل معها وفق معايير موحدة وموضوعية، تراعي وحدة المراكز القانونية وتكافؤ الشروط والمؤهلات.

إننا لا نطالب بامتياز خاص، ولا نسعى إلى الحصول على حق خارج الأطر القانونية، وإنما نطالب بتطبيق مبدأ المساواة، واحترام القرارات الإدارية، وإنصاف أساتذة اختاروا الثقة في الإدارة وسلوك طريق التظلم بدل اللجوء إلى القضاء.

وعليه، فإننا، نيابة عن الأساتذة المعنيين، نناشد حكومة الإنصاف، برئاسة معالي الوزير الأول السيد المختار ولد اجاي، التدخل من أجل معالجة هذه القضية معالجة شاملة وعادلة، تضمن تسوية الوضعية الإدارية والأكاديمية لجميع الأساتذة الذين تتوافر فيهم الشروط نفسها، دون تمييز بسبب اختلاف المسار الذي سلكوه للمطالبة بحقوقهم.

إن الإنصاف الحقيقي لا يكتمل بإنصاف البعض وترك البعض الآخر، والعدالة لا تتحقق بتجزئة الحقوق، والمساواة لا تكون مبدأً إلا إذا شملت جميع أصحاب الحق الواحد.

نريد إدارة تنصف الجميع، وتحترم قراراتها، وتعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة؛ فالمساواة لا تتجزأ، والإنصاف واجب الإدارة.
د.أحمد ولد محمد السالك الداه

  • Related Posts

    النائب والعمدة القاسم ولد بلالي يستقبلوفدا من مكتب رابطة العلماء والأئمة بنواذيبو، برئاسة فضيلة الشيخ محمد يسلم ولد اخطور.

    أخبار اليوم.   استقبل النائب والعمدة القاسم ولد بلالي، زوال اليوم بالقصر البلدي، وفدا من مكتب رابطة العلماء والأئمة بنواذيبو، برئاسة فضيلة الشيخ محمد يسلم ولد اخطور. وجاء اللقاء في إطار…

    اقرأ المزيد

    المساواة لا تتجزأ… والإنصاف لا يقبل الانتقائية / د.أحمد ولد محمد السالك الداه

    أخبار اليوم.   إن جوهر العدالة أن تتساوى الحقوق أمام الإدارة، وأن يخضع أصحاب المراكز القانونية المتماثلة للمعاملة نفسها، بعيدًا عن أي تمييز لا يستند إلى أساس قانوني أو موضوعي. فالمساواة…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    و الغزواني: حجم الاحتياجات يستدعي مواصلة الجهود

    • نوفمبر 6, 2026
    و الغزواني: حجم الاحتياجات يستدعي مواصلة الجهود

    جامعة نواكشوط تعلن مسابقة للإقامة الطبية بـ70 مقعدًا

    • نوفمبر 5, 2026
    جامعة نواكشوط تعلن مسابقة للإقامة الطبية بـ70 مقعدًا

    الوزير الأول السابق الزين ولد زيدان: تعبئة رؤوس الأموال يمكن أن تحقق للقارة الإفريقية معدلات نمو أعلى

    • نوفمبر 4, 2026
    الوزير الأول السابق الزين ولد زيدان: تعبئة رؤوس الأموال يمكن أن تحقق للقارة الإفريقية معدلات نمو أعلى

    مارلاسكا في نواكشوط: الهجرة والأمن البحري في صدارة زيارة تتجاوز الداخلية إلى الصيد والدفاع

    • نوفمبر 3, 2026
    مارلاسكا في نواكشوط: الهجرة والأمن البحري في صدارة زيارة تتجاوز الداخلية إلى الصيد والدفاع

    رونالدو وميسي مرشحان للانضمام إلى قائمة أفضل 11 لاعباً في العالم

    • نوفمبر 3, 2026
    رونالدو وميسي مرشحان للانضمام إلى قائمة أفضل 11 لاعباً في العالم

    وزيرة التربية تشارك في مؤتمر دولي حول الذكاء الاصطناعي في التعليم

    • أكتوبر 19, 2026
    وزيرة التربية تشارك في مؤتمر دولي حول الذكاء الاصطناعي في التعليم