أخبار اليوم. في مسيرة العمل الحكومي ، تظل قيمة المسؤول مرتبطة بما يتركه من أثر في المؤسسات ، وما يساهم به من جهود في تطوير الأداء الإداري ، وتعزيز الأمن ، وتقريب الخدمات من المواطنين . ومن هذا المنطلق ، تبرز تجربة الوزير محمد أحمد ولد محمد الأمين على رأس وزارة الداخلية وترقية اللامركزية والتنمية المحلية ، باعتبارها تجربة ارتبطت بعدد من الملفات الإدارية والأمنية والتنموية المهمة .
فمنذ تعيينه وزيرا للداخلية وترقية اللامركزية والتنمية المحلية تولى ولد محمد الأمين مسؤولية قطاع واسع الاختصاصات ، يتصل بصورة مباشرة باستقرار البلاد ، وتنظيم الإدارة الإقليمية ، وتسيير الشأن المحلي ، والإشراف على جوانب أساسية من الحياة العامة ، وقد جاء إلى هذا المنصب بخبرة إدارية ممتدة ، راكمها من خلال تقلده مناصب متعددة في الإدارة الإقليمية ، والعمل الدبلوماسي، وإدارة ديوان رئاسة الجمهورية .
إن إدارة وزارة الداخلية ليست مهمة بروتوكولية ، بل مسؤولية يومية تتطلب التنسيق بين أجهزة الأمن والسلطات الإدارية والمنتخبين المحليين ، فضلا عن متابعة الأزمات والاستجابة لانشغالات المواطنين ، وهي مسؤولية تستدعي قدرا كبيرا من التنظيم ، والقدرة على المتابعة ، والعمل بروح الفريق .
وفي هذا السياق ، شكل التنسيق بين الولاة والقيادات الأمنية ومختلف المصالح التابعة للقطاع أحد محاور العمل خلال فترة تولي ولد محمد الأمين الوزارة ، مع التركيز على تحسين الإجراءات الأمنية ، وتعزيز حماية الأشخاص والممتلكات ، ورفع مستوى الجاهزية للتعامل مع المخاطر والطوارئ .
كما حظيت الإدارة الإقليمية باهتمام خاص ، بالنظر إلى دورها في تنفيذ السياسات العمومية ، ومتابعة أوضاع المواطنين ، ومواكبة المشاريع التنموية ، وتعزيز حضور الدولة في مختلف الولايات والمقاطعات .
من أبرز المجالات التي تناولتها حصيلة الوزارة ملف الحالة المدنية ، الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بحقوق المواطنين وإثبات هويتهم القانونية والاستفادة من الخدمات العمومية .
ووفق الحصيلة التي عرضها الوزير في رسالة توديعه للقطاع قبل يومين ، تجاوزت نسبة التقييد في السجل الوطني للسكان 95 بالمائة ، بالتوازي مع جهود تحديث الإجراءات ورقمنة الخدمات ، ومن بينها تطبيق «هويتي»، الذي يستهدف تسهيل الوصول إلى بعض الخدمات وتقليل الأعباء المرتبطة بالإجراءات الإدارية .
وتعكس هذه الخطوات أهمية الانتقال بالإدارة من الأساليب التقليدية إلى خدمات أكثر سهولة ومرونة ، مع بقاء التحدي الأساسي في ضمان جودة الخدمة ، واستمراريتها ، وقدرة المواطنين في مختلف المناطق على الاستفادة منها .
لم يقتصر العمل في القطاع على الجوانب الأمنية والإدارية، بل امتد إلى ملف اللامركزية والتنمية المحلية، باعتباره أحد المسارات المهمة لتحسين توزيع الخدمات وتعزيز دور الجماعات المحلية في تحديد الأولويات التنموية .
وفي هذا الإطار ، أشار الوزير ، ضمن حصيلته المنشورة عند مغادرته الوزارة ، إلى إنشاء 19 بلدية جديدة ، ومضاعفة مخصصات الصندوق الجهوي للتنمية ، وهي إجراءات تستهدف توسيع نطاق العمل البلدي وتعزيز الموارد المتاحة للجماعات المحلية .
وتكتسب هذه الخطوات أهميتها من ارتباطها بالتنمية على المستوى المحلي ، حيث تتجلى نتائج السياسات العمومية في قدرة البلديات والجهات على الاستجابة للاحتياجات اليومية للسكان ، وتحسين الخدمات الأساسية ، ومواكبة المشاريع ذات الأولوية .
غير أن نجاح اللامركزية يظل مرتبطا أيضا بفعالية التسيير ، وحسن توجيه الموارد ، وتعزيز الرقابة ، وتكريس الشفافية في تنفيذ المشاريع .
كما نجح الوزير في وضع وتطبيق مقاربة ناجحة تتعلق بالحد من الهجرة غير الشرعية ، وهي مقاربة آتت أكلها في ظرف وجيز ، ولاقت ارتياحا كبيرا من قبل المواطنين .
ومن الجوانب اللافتة في رسالة توديع الوزير تأكيده أن الإصلاحات والنتائج التي تحققت لم تكن ثمرة جهد فردي ، بل حصيلة تعاون بين مختلف مكونات القطاع وشركائه .
ويعكس هذا التأكيد أهمية الدور الذي تضطلع به المؤسسات والأطر الإدارية والأجهزة الأمنية والسلطات المحلية في تنفيذ السياسات الحكومية ، فالمسؤول ، مهما اتسعت صلاحياته ، لا يستطيع تحقيق أهداف الإصلاح من دون جهاز إداري منظم ، وكفاءات ميدانية ، وتعاون مستمر بين مختلف مستويات الدولة .
كما أن الإشادة بجهود العاملين في القطاع تمثل اعترافا بأهمية الكوادر التي تؤدي مهامها اليومية بعيدا عن الأضواء ، وتسهم في استمرارية المرفق العام .
إن قراءة تجربة محمد أحمد ولد محمد الأمين في وزارة الداخلية تقتضي النظر إلى مجمل الملفات التي تولتها الوزارة خلال فترة مسؤوليته ، من الأمن والإدارة الإقليمية إلى الحالة المدنية واللامركزية والتنمية المحلية .
إن المسؤولية الحكومية ليست مجرد منصب عابر ، بل أمانة تتصل بخدمة المواطن وصيانة المصلحة العامة ، وتظل قيمة التجارب الإدارية فيما تتيحه من دروس ، وما تضعه من أسس يمكن البناء عليها ، وما تتركه من فرص لمواصلة الإصلاح وتطوير الأداء .
وهكذا ، فإن حصيلة ولد محمد الأمين، بما تضمنته من ملفات أمنية وإدارية وتنموية، تقدم مادة مهمة للنقاش حول تحديث الإدارة الموريتانية ، وتعزيز اللامركزية ، وتحسين الخدمات العمومية ، وهي أهداف تتجاوز الأشخاص والمناصب ، لتظل جزءا من مسار الدولة في الاستجابة لتطلعات مواطنيها .
بقلم / محمد المختار أحمد سالم









