أخباراليوم. في لحظة فارقة تتجاوز الرتابة الإدارية والخطابات التقليدية، أشاد فخامة رئيس الجمهورية بنظافة مدينة بنشاب العريقة، وأطلقها دعوة وطنية جادة ونوعية للعناية بنظافة المدينة والنهوض ببيئتها الحضرية. لم تكن هذه الدعوة مجرد نشاط رسمي أو مبادرة عابرة، بل حملت في جوهرها أبعاداً سياسية وثقافية وحضارية عميقة، تضع المواطنة الحقيقية في صدارة أولويات المشروع الوطني لبناء الدولة الحديثة.
دلالة الزمان والمكان: فلسفة الإنطلاق من “بنشاب”
إن اختيار مدينة بنشاب — ببعدها التاريخي الأصيل ورمزيتها في وجدان الموريتانيين — لإطلاق هذه الحملة لم يكن وليد المصادفة؛ بل يعكس رؤية سياسية تعيد الاعتبار للداخل الموريتاني كمنطلق للمبادرات الوطنية الكبرى. إنها رسالة مفادها أن التغيير والإصلاح والتنمية الحضارية لا تُحصر في أسوار العاصمة أو المراكز الإدارية فقط، بل تنبع من أصل الأرض وعمق الوطن، لتتحول كل مدينة موريتانية إلى مركز إشعاع للوعي البيئي والمسؤولية الجماعية.
الشواهد التاريخية: النظافة مقياس حضارة الأمم
إن المبادرة الرئاسية للنهوض بنظافة المدن تستند إلى أصل متين في التاريخ الإنساني والسياسي؛ فلطالما كانت نظافة الفضاء العام والتنظيم الحضري دليلاً على نضج الدولة ورفاه المجتمع وشعور المواطن بالانتماء:
1. النهضة الأثينية والمدن الإغريقية: في الفكر السياسي القديم، كان اهتمام الدولة الأثينية بتنظيم وتطهير “الآغورا” (الفضاء العام) شرطاً أساسياً للمشاركة السياسية؛ حيث كان يُنظر إلى نظافة الفضاء العام كمرآة تعكس النقاء الأخلاقي والسياسي للمدينة-الدولة.
2. الحضارة الإسلامية وإدارة “الحسبة”: سجل التاريخ الإسلامي في مدن كـ قرطبة وبغداد ودمشق تأسيس نظام “الحسبة”، والذي كان يُعنى بشؤون بيئة المدينة، ورفع الأذى عن طرقات المسلمين، واعتبار نظافة المدينة واجباً شرعياً ووطنياً. وقد قيل قديماً في الأدبيات السياسية الإسلامية: “صلاح العمران بجمال المكان وسكينة السكان”.
3. تجربة التحديث في أوروبا الحديثة: عندما أرادت الدول الكبرى إعادة بناء مدنها عقب التحولات السياسية والحروب (كما حدث في إعادة تنظيم باريس ولندن في القرن التاسع عشر)، كانت نقطة الانطلاق هي إرساء قواعد الصحة العامة والنظافة والتخطيط البيئي، باعتبارها ركيزة الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي.
الأبعاد السياسية والاجتماعية للمبادرة
تتجاوز الدعوة الرئاسية البعد الشكلي لتلمس جوانب جوهرية في العقد الاجتماعي بين الحاكم والمواطن:
• ترسيخ مفهوم المواطنة الفاعلة: إن نظافة المدينة ليست مسؤولية حصرية للجهات الخدمية أو البلديات، بل هي سلوك يومي وشراكة حقيقية بين المواطن والسلطة.
• البيئة كحق من حقوق الإنسان: ترتقي هذه المبادرة بالحق في بيئة نظيفة وصحية إلى قائمة الأولويات السياسية والتنموية للحكومة.
• إعادة الاعتبار للوجه الحضاري للمدن: تسعى هذه الخطوة إلى إبراز الواجهة المشرقة للمدن الموريتانية، مما يعزز جاذبيتها الاستثمارية والسياحية ويدعم الهوية الوطنية.
إن المبادرة التي أطلقها فخامة رئيس الجمهورية من مدينة بنشاب تشكل نداء استجابة للوعي والضمير الجمعي، وتأسيس مرحلة جديدة عنوانها العمل الميداني والمسؤولية المشتركة. وإن نجاح هذه الرؤية يظل مرهوناً بتحويل هذا النداء السياسي إلى سلوك مجتمعي مستدام، يُعيد لمدننا ألقها الحضاري، ويجعل من نظافة البيئة عنواناً لنظافة الفكر وعمق الانتماء للوطن.
فليكن يوم 25 سبتمبر من كل عام يوما وطنيا لنظافة المدن، ولتحتدم فيه المنافسة بين مدننا.









