موريتانيا إلى أين؟ قراءة في نهج الرئيس غزواني./بقلم جالو امادو كورل المنسق الوطني لأصدقاء الرئيس غزواني

 

أخبار اليوم.  في قراءة تحليلية لخطاب فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وما حمله من مضامين تتصل بمستقبل البلاد ومسارها السياسي والاجتماعي والتنموي، تبرز جملة من القضايا التي تبدو اليوم أكثر ارتباطا بمصير موريتانيا واستقرارها وقدرتها على مواصلة بناء دولة متماسكة، قادرة على مواجهة تحديات الحاضر واستثمار فرص المستقبل.

فموريتانيا لا تواجه تحدياتها من زاوية التنمية المادية وحدها، وإنما تقف كذلك أمام مسؤولية بناء حياة وطنية متوازنة، يكون فيها الإنسان في صميم السياسات العمومية، ويواكب فيها التطور الاقتصادي والاجتماعي ترسيخ القيم الوطنية وروح المواطنة والانسجام بين مختلف مكونات المجتمع.

ومن هذا المنطلق، فإن السؤال عن موريتانيا إلى أين؟ لا ينبغي أن يتحول إلى سؤال للتشكيك أو التشاؤم، وإنما إلى مناسبة للتفكير في الطريق الذي ينبغي أن تسلكه البلاد، وفي المسؤولية المشتركة للدولة والنخب السياسية والمجتمع والمواطنين في حماية المكتسبات وتعزيز الاستقرار ودفع عجلة التنمية.

وقد ظل خطاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يركز في مناسبات متعددة على أهمية الوحدة الوطنية والتعايش وإدارة التنوع والاختلاف، باعتبارها ركائز أساسية لاستقرار المجتمع وقدرته على بناء مستقبل مشترك.

وفي هذا السياق، تكتسب الدعوة إلى تجاوز النزعات الضيقة، سواء كانت قبلية أو جهوية أو فئوية، أهمية خاصة، لأن قوة موريتانيا لا يمكن أن تكون إلا في قدرتها على تحويل تنوعها الاجتماعي والثقافي إلى مصدر قوة وتكامل، لا إلى سبب للتنافس السلبي والانقسام.

إن إدارة الاختلاف لا تعني إلغاء التعدد، كما أن التمسك بالخصوصيات الاجتماعية والثقافية لا ينبغي أن يتحول إلى حاجز أمام الانتماء الوطني الجامع. فالمطلوب هو بناء مساحة مشتركة يشعر فيها كل موريتاني بأن له مكانا ودورا وحقوقا وواجبات في وطن واحد.

ومن هنا يأتي النداء الذي توجهه المنسقية الوطنية لأصدقاء رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني إلى جميع الموريتانيين، من أجل التماسك وتغليب مصلحة الوطن على المصالح الخاصة، والابتعاد عن كل ما من شأنه تعميق الخلافات أو إضعاف الثقة بين أبناء المجتمع، والسير خلف النهج الذي يركز على الوحدة الوطنية والتعايش وتعزيز المشتركات.

ولا ينبغي النظر إلى هذا النداء باعتباره موجها إلى فئة سياسية دون أخرى، بل باعتباره دعوة إلى استحضار معنى المسؤولية الوطنية في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى قدر أكبر من الوعي بخطورة الانقسامات الاجتماعية والسياسية، وإلى تقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.

فالأوطان لا تبنى بالمطالب وحدها، وإنما تبنى أيضا بالواجبات. والمواطن الذي يطالب بحقوقه مطالب في الوقت نفسه بالمساهمة في حماية وطنه واحترام مؤسساته وصيانة وحدته واستقراره. كما أن المسؤولية لا تقع على المواطن وحده، وإنما تشمل مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والنخب والمؤسسات، كل من موقعه.

ومن هذه الزاوية، فإن التنمية الحقيقية لا تختزل في تشييد الطرق والمنشآت وتحسين الخدمات، رغم أهمية ذلك، وإنما تشمل كذلك بناء الثقة، وتعزيز الشعور بالمواطنة، وترسيخ ثقافة الحوار، واحترام الاختلاف، وتكريس فكرة أن الدولة ملك لجميع أبنائها.

إن موريتانيا تمتلك اليوم فرصا مهمة، كما تواجه في الوقت نفسه تحديات متعددة، وهو ما يجعل المحافظة على الاستقرار والتماسك الاجتماعي شرطا أساسيا للاستفادة من الفرص المتاحة.

فالاستقرار ليس مجرد غياب الأزمات، وإنما هو بيئة تسمح للدولة بتوجيه طاقاتها نحو التنمية، وللمواطنين بالمشاركة في البناء، وللاستثمار بأن يجد ظروفا أكثر ملاءمة، وللمؤسسات بأن تعمل بعيدا عن التوترات والانقسامات.

ولهذا فإن مستقبل موريتانيا لا تصنعه الحكومة وحدها، ولا المعارضة وحدها، ولا الأحزاب السياسية وحدها، ولا النخب وحدها، وإنما يصنعه مجموع الموريتانيين عندما تتحول المواطنة من شعار إلى ممارسة، والمسؤولية من خطاب إلى سلوك، والمصلحة الوطنية من فكرة عامة إلى أولوية فعلية.

ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من نهج الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي يركز على تعزيز التلاحم الاجتماعي وتوسيع دائرة المشتركات الوطنية، باعتبار أن بناء الدولة يحتاج إلى أرضية اجتماعية مستقرة ومتضامنة، تستطيع تحمل متطلبات التنمية ومواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتزايدة.

إن موريتانيا التي نريدها ليست موريتانيا التي ينتصر فيها طرف على طرف، أو جهة على جهة، أو فئة على فئة، وإنما موريتانيا التي يجد فيها الجميع أنفسهم شركاء في مستقبل واحد.

ومعنى ذلك أن المرحلة المقبلة تتطلب قدرا أكبر من الوعي والمسؤولية، وأن يكون الاختلاف وسيلة لإثراء النقاش الوطني لا مدخلا للقطيعة، وأن تكون المنافسة السياسية في خدمة المجتمع لا على حساب وحدته، وأن تظل مصلحة موريتانيا فوق المصالح الشخصية والحسابات الضيقة.

موريتانيا إلى أين؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتحدد فقط بما تقوم به الدولة، وإنما بما يختاره المجتمع من قيم وسلوكيات واتجاهات. فإذا اختار الموريتانيون التماسك والحوار والتعاون وتغليب المصلحة الوطنية، فإن الطريق نحو المستقبل يصبح أكثر وضوحا وأمانا.

أما إذا سمحت الحسابات الضيقة للنزاعات والانقسامات بأن تتقدم على مصلحة الوطن، فإن ذلك قد يبدد كثيرا من الجهود والفرص.

ولهذا فإن المرحلة تفرض على الجميع استحضار حقيقة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: موريتانيا أولا.

موريتانيا التي تتسع لجميع أبنائها، وتستثمر تنوعها، وتحمي وحدتها، وتواصل مسار التنمية، وتبني مؤسساتها، وتمنح الأجيال القادمة وطنا أكثر استقرارا وتماسكا وقدرة على مواجهة المستقبل.

وفي النهاية، فإن الرهان الحقيقي ليس فقط على ما تستطيع الدولة أن تقدمه للمواطن، وإنما أيضا على ما يستطيع كل مواطن أن يقدمه لوطنه.

وحين تتكامل الحقوق مع الواجبات، والتنمية مع التماسك، والاختلاف مع الحوار، والمصلحة الفردية مع المصلحة العامة، يصبح سؤال موريتانيا إلى أين؟ أقرب إلى سؤال آخر أكثر أهمية:

أي موريتانيا نريد أن نتركها للأجيال القادمة؟

  • Related Posts

    موريتانيا إلى أين؟ قراءة في نهج الرئيس غزواني./بقلم جالو امادو كورل المنسق الوطني لأصدقاء الرئيس غزواني

      أخبار اليوم.  في قراءة تحليلية لخطاب فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وما حمله من مضامين تتصل بمستقبل البلاد ومسارها السياسي والاجتماعي والتنموي، تبرز جملة من القضايا…

    اقرأ المزيد

    زيارة إينشيري..محمد الأمين ولد لحويج

    أخبار اليوم.  للزيارة في ثقافتنا المحلية معنى يتجاوز الانتقال من مكان إلى مكان. فكلمة «الزيارة» ارتبطت في الذاكرة الشعبية أيضًا بزيارة الصالحين، وبأماكن بقيت حاضرة في وجدان الناس، مهما اختلفنا…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية