أخبار اليوم. ثمة فرق بين أن يدافع المرء عن خيار سياسي يؤمن به، وبين أن يحوّل هذا الخيار إلى حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى برهان.
ومن حق كل مواطن، بطبيعة الحال، أن يؤيد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وأن يرى في استمراره ضرورة لاستكمال ما يعتقد أنه مشروع وطني ناجح. ومن حق آخرين، بالقدر نفسه، أن يروا أن المرحلة استنفدت إمكاناتها، وأن مصلحة البلاد تقتضي الانتقال إلى مرحلة جديدة.
هذه هي القاعدة البسيطة التي ينبغي أن يبدأ منها أي نقاش جاد حول مستقبل الحكم في موريتانيا.
لكن ما يثير الانتباه في الخطاب المتصاعد للدفاع عن استمرار المسار ليس مجرد الدعوة السياسية ذاتها، وإنما محاولة تقديمها باعتبارها تعبيرًا عن إرادة شعبية مكتملة، قبل أن يُفتح أصلًا النقاش حول حصيلة هذا المسار وشروط استمراره.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
ما الذي نريد استكماله تحديدًا؟
المسار يُقاس بالنتائج لا بطول الطريق
ليس من الصعب أن نحشد المنتخبين والوجهاء والأطر والفاعلين السياسيين حول موقف ما، خصوصًا في بلد ما تزال فيه العلاقات الاجتماعية والرموز التقليدية تلعب دورًا مؤثرًا في المجال السياسي.
لكن الحشود ليست هي التنمية، والبيانات ليست هي الاقتصاد، والمهرجانات ليست هي إصلاح الإدارة، وكثرة الحديث عن الإنجازات ليست بالضرورة إنجازًا.
المواطن يريد أن يعرف شيئًا أكثر بساطة:
هل تحسنت حياته؟
هل أصبحت المدرسة أفضل؟
هل أصبح المستشفى أكثر قدرة على خدمة الناس؟
هل تحسنت الإدارة؟
هل تراجعت البطالة؟
هل أصبحت الكهرباء والماء والخدمات الأساسية أكثر استقرارًا؟
هل أصبح القانون أكثر حضورًا من الواسطة؟
وهل أصبحت الدولة أكثر عدلًا في توزيع الفرص والثروة والمناصب؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها الحملات السياسية، وإنما تجيب عنها الحصيلة.
ولذلك فإن الدعوة إلى «استكمال المسار» تفترض أولًا أن هناك مسارًا ناجحًا يستحق الاستكمال. وهذه ليست حقيقة سياسية نهائية، وإنما مسألة خلافية ينبغي أن تكون موضوعًا للنقاش.
فكثير من الموريتانيين لا يرون في السنوات الماضية ذلك التحول الاقتصادي والاجتماعي الكبير الذي تصفه بعض الخطابات الرسمية، بينما يرون في المقابل استمرار أزمات قديمة، وظهور أزمات جديدة، واتساع فجوة الثقة بين المواطن والخطاب السياسي.
ولا يعني هذا إنكار كل إنجاز، ولا إنصافًا لأي مرحلة على حساب أخرى. لكنه يعني فقط أن الدعاية لا تستطيع أن تحل محل التجربة اليومية للمواطن.
لماذا يخشى البعض مجرد فتح النقاش؟
ربما يكون أكثر ما يستحق التأمل اليوم هو أن مجرد الحديث عن مأمورية إضافية أصبح لدى البعض معركة سياسية ينبغي حسمها قبل أن تبدأ.
والواقع أن التخوف من فتح هذا الباب ليس بالضرورة تخوفًا من شخص الرئيس.
إنه تخوف من السابقة.
فحين يصبح تعديل قواعد التداول على السلطة ممكنًا كلما توفرت إرادة سياسية كافية، فإن القضية لا تعود مرتبطة بالرئيس الحالي وحده، بل بالنظام الدستوري الذي سيجد نفسه أمام قاعدة جديدة: أن حدود السلطة يمكن إعادة تعريفها كلما تغيرت موازين القوة.
صحيح أن الدستور ليس نصًا مقدسًا، وأن الشعوب تملك حق تعديل دساتيرها عبر الآليات التي تحددها تلك الدساتير نفسها.
لكن القول إن الدستور ليس قرآنًا لا يعني أنه بلا قيمة.
فالدستور ليس مقدسًا، لكنه مقدّس الوظيفة: إنه الحاجز الذي يفصل الدولة عن إرادة الأشخاص، والسلطة عن الرغبة في الاستمرار.
ولهذا فإن احترام قواعد التداول ليس عداءً للرئيس، كما أن المطالبة بتغييرها ليست تلقائيًا خيانة للدولة.
المسألة أبسط وأعمق:
هل نريد دولة تتغير فيها القواعد وفق المؤسسات، أم مؤسسات تتكيف مع رغبة السلطة في الاستمرار؟
من يتحدث باسم الشعب؟
في الخطاب السياسي، تبدو عبارة «إرادة الشعب» مغرية، لكنها أخطر العبارات حين تُستخدم دون تدقيق.
فمن هو الشعب الذي نتحدث باسمه؟
هل هو المنتخبون؟
أم الوجهاء؟
أم الأطر؟
أم الحشود التي تظهر في المهرجانات؟
أم المواطن الذي لا يستطيع الوصول إلى مسؤول؟
أم الشاب الذي يبحث عن عمل؟
أم الأسرة التي تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة؟
أم المواطن الذي يذهب إلى الإدارة فيعود منها وهو مقتنع بأن الواسطة أقوى من القانون؟
كل هؤلاء هم الشعب.
ولهذا لا يجوز اختزال إرادته في قطاع سياسي واحد، مهما كان واسعًا.
وإذا كان هناك من يعتقد أن غالبية الموريتانيين تريد استمرار الرئيس، فليكن ذلك موضوع منافسة سياسية مفتوحة، لا حقيقة مسبقة تُستخدم لإسكات المخالفين.
الديمقراطية لا تبدأ عندما نعرف النتيجة؛ بل عندما نقبل احتمال أن تكون النتيجة على غير ما نريد.
أزمة الثقة قبل أن تكون أزمة سياسة
لعل المشكلة الأعمق في المشهد الموريتاني ليست في اختلاف المواقف حول الرئيس، وإنما في أزمة الثقة التي أصابت العلاقة بين المواطن والنخبة.
لقد أصبح جزء من الخطاب السياسي منفصلًا عن الحياة اليومية للناس.
خطاب يتحدث عن الإنجاز بينما يتحدث المواطن عن الخدمات.
يتحدث عن الاستقرار بينما يبحث الشاب عن فرصة.
يتحدث عن محاربة الفساد بينما يرى المواطن بعض الوجوه نفسها تنتقل من موقع إلى آخر.
ويتحدث عن دولة المؤسسات بينما ما تزال الوساطة والعلاقات الاجتماعية قادرة، في كثير من الأحيان، على اختصار الطريق أمام البعض وإطالته أمام البعض الآخر.
وهنا تظهر مشكلة تدوير المسؤولين.
فالتدوير الإداري ليس إصلاحًا في حد ذاته.
وإذا كان المسؤول قد فشل في موقع، فإن نقله إلى موقع آخر لا يحول الفشل إلى نجاح. وإذا كانت هناك شبهات فساد أو سوء تسيير، فإن تغيير المكتب لا يمحو السؤال.
الدولة التي تريد محاربة الفساد لا تحتاج فقط إلى قوانين، بل تحتاج إلى كلفة حقيقية للفشل والفساد.
فحين يكتشف المسؤول أن أقصى ما قد يحدث له بعد الإخفاق هو الانتقال من مؤسسة إلى أخرى، فإن الرسالة التي تصل إلى بقية الجهاز الإداري واضحة: الولاء قد يكون أكثر أمانًا من الكفاءة.
وهنا تبدأ الدولة في خسارة أهم ما تملكه: هيبة المعيار.
النفاق السياسي ليس ظاهرة هامشية
لا يمكن أيضًا تجاهل الدور الذي لعبته النخبة في إنتاج هذا الواقع.
فجزء من النخبة السياسية والإدارية أصبح بارعًا في قول ما يرضي السلطة أكثر من براعته في قول ما تحتاج الدولة إلى سماعه.
والرئيس، أي رئيس، لا يحتاج إلى من يصفق له باستمرار؛ يحتاج إلى من يقول له الحقيقة قبل أن تتحول الأخطاء إلى أزمات.
لكن عندما تصبح الترقية مرتبطة بالقرب، ويصبح الموقع السياسي مكافأة للولاء، وتصبح الوساطة الاجتماعية قناة للصعود، فإن النخبة تفقد استقلالها تدريجيًا.
وهنا لا تعود المشكلة في الرئيس وحده.
إنها مشكلة مجتمع سياسي كامل تعلم، عبر سنوات، كيف يقترب من السلطة أكثر مما تعلم كيف يراقبها.
والأخطر أن بعض الذين يطالبون اليوم باستمرار المسار هم أنفسهم أبناء هذا المسار، أو المستفيدون من ترتيباته السياسية والإدارية.
وهذا لا يسقط حجتهم تلقائيًا، لكنه يفرض عليهم مسؤولية إضافية: أن يثبتوا أن دفاعهم عن الاستمرار نابع من قراءة موضوعية لمصلحة الدولة، لا من ارتباط مصالحهم الشخصية باستمرار الوضع القائم.
الديمقراطية لا تُبنى بالخوف ولا بالرشوة ولا بالولاء
ثم هناك سؤال لا يجوز أن يظل خارج النقاش:
ما طبيعة البيئة التي تُنتج الإرادة الانتخابية؟
في مجتمع يعاني من الفقر والحاجة، ويظل فيه النفوذ القبلي والاجتماعي حاضرًا بقوة، يصبح من الصعب التعامل مع كل أصوات الانتخابات باعتبارها تعبيرًا حرًا ونقيًا ومستقلًا عن إرادة المواطن.
حين يخاف المواطن من السلطة، أو يحتاج إلى المسؤول، أو ينتظر خدمة لا يحصل عليها إلا عبر وسيط، أو يشعر أن صوته يمكن أن يفتح له بابًا أو يغلقه، فإن الحديث عن «الإرادة الحرة» يصبح أكثر تعقيدًا.
ولذلك فإن بناء الديمقراطية لا يكون فقط بإجراء الانتخابات.
إنه يبدأ من تحرير المواطن من الحاجة إلى السلطة حتى يستطيع أن يختارها بحرية.
لا أحد يطلب من الرئيس أن يرحل اليوم
وهنا ينبغي أن يكون النقاش أكثر عقلانية.
لا أحد يقول إن على الرئيس أن يترك الحكم غدًا.
ولا أحد ينكر حق أنصاره في الدفاع عن تجربته.
ولا أحد يطالب المعارضة بأن تكون هي صاحبة الحقيقة المطلقة.
المطلوب فقط هو أن نترك السؤال مفتوحًا:
ماذا بعد انتهاء المأموريتين؟
فالدولة لا ينبغي أن تخاف من هذا السؤال، والرئيس لا ينبغي أن يخشاه، وأنصاره لا ينبغي أن يعتبروا طرحه مؤامرة.
بل ربما يكون أفضل تكريم لأي رئيس هو أن ينجح في بناء نظام يستطيع أن يستمر من دونه.
فالقادة يرحلون، أما الدول فتبقى.
والإنجاز الحقيقي لأي رئيس ليس أن يجعل البلاد تحتاج إلى بقائه، بل أن يجعل المؤسسات قوية بما يكفي لكي لا تحتاج إلى شخص بعينه.
في النهاية: لا «كلوة» ولا «فرسن»… بل دولة
قد يكون صحيحًا أن «كلوة وفرسن ما يخلطو»، لكن السياسة الوطنية لا ينبغي أن تتحول إلى قبيلتين من المؤيدين والمعارضين.
هناك وطن واحد.
وفي هذا الوطن من يرى أن الرئيس أنجز، ومن يرى أنه أخفق، ومن يرى أنه أنجز في ملفات وأخفق في أخرى.
وهذه ليست خيانة.
إنها السياسة.
أما تحويل الخلاف إلى معركة بين «خيار الشعب» و«خصوم الشعب»، فذلك يضر أكثر مما ينفع.
لأن الشعب لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه.
الشعب يحتاج إلى مؤسسات تمكنه من أن يتحدث بنفسه.
وإذا كان أنصار الاستمرار واثقين من أن الشعب يريد ذلك، فلا ينبغي أن يخافوا من الصندوق.
وإذا كان خصوم الاستمرار واثقين من أن الشعب يريد التغيير، فلا ينبغي أن يخافوا من الصندوق.
أما قبل ذلك، فكل طرف يملك رأيًا، ولا يملك الشعب.
وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس:
هل يستمر الرئيس؟
بل:
هل نريد أن يستمر نظام القواعد والمؤسسات الذي يجعل انتقال السلطة ممكنًا وآمنًا، مهما كان اسم الرئيس؟
تلك هي المعركة الحقيقية.
لأن الدول لا تُقاس بقدرة رجل على البقاء في السلطة، وإنما بقدرة مؤسساتها على البقاء حين يغادرها الرجال.
حمادي سيدي محمد آباتي








