أخباراليوم ماحدث في محطتي الكهرباء بنواكشوط مؤسف، ومن حق المواطنين أن ينزعجوا منه، ومن واجب الجهات المعنية أن تبحث في أسبابه وأن تستخلص منه ما يلزم من إصلاح لتفادي الخلل لاحقا .
لكن من المفيد أيضاً أن نتذكر أن الحريق ليس أول حريق يحدث في هذا العالم، وليست هناك دولة في معزل عن أحداث مشابهة مهما بلغت من تطور وكفاءة ، وسيظل أي عمل تقني عرضة للأعطال والمفاجآت وحتى للأخطار غير المتوقعة.
وهذا ليس افتراضاً نظرياً. فقد شهدت المفاعلات النووية حوادث مشابهة (تشيرنوبل مثلا) ، على الرغم من التطور الهائل والتكاليف الخرافية والطواقم العلمية عالية التخصص والخبرات .
أما المحطات الكهربائية فلا يوجد بلد في العالم لم يشهد مفاجآت مشابهة في محطاتها ( بريطانيا، وفرنسا، وأستراليا وغيرها حرائق وانهيارات مفاجئة في محطات ومحولات كهربائية، بما فيها منشآت تابعة لشبكات متقدمة جداً. وطففي بريطانيا مثلاً أدى حريق محطة North Hyde قرب هيثرو سنة 2025 إلى توقف المطار وتعطيل أكثر من ألف وثلاثمائة رحلة. وقد انتهى التحقيق إلى فشل كارثي في أحد مكونات المحول.)
لكن الدرس الأهم ليس أن الأعطال تحدث في كل مكان لاتخاذ ذلك ذريعة للتقصير؛ بل إن الدول الجادة تتعامل مع الحوادث باعتبارها فرصة للتحقيق والإصلاح وتحسين المنظومة، وليس اعتبارها مناسبة للتنفيس السياسي ونفي وقائع الاصلاح الشاهدة للعيان وغير القابلة للتنكر والتقزيم .
تعطلت محطتان وتم إصلاحهما، لكن ذلك لم يلغِ أن عشرات الآلاف من الأسر دخلت الدورة الاقتصادية بفضل سياسات التمكين والدعم.
تعطلت محطتان وتم إصلاحهما، لكن ذلك لا ينفي أن آلاف المشاريع والمنشآت والخدمات استفادت من التوسع وتحسين البنية التحتية بما فيها الكهرباء إنتاجا وتوزيعا .
تعطلت محطتان وتم إصلاحهما، لكن ذلك لا يمحو سنوات من الإجازات الجادة وغير المسبوقة في الكهرباء والمياه والطرق والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
تعطلت محطتان وتم إصلاحهما، لكن ذلك لا يحوّل عطلاً فنياً إلى حكم شامل على تجربة إصلاحية كبيرة وشاملة .
النقد مطلوب، والمحاسبة عند ثبوت التقصير مطلوبة، وتصحيح الخلل واجب؛ لكن تحويل حادث تقني إلى أداة لتقزيم كل ما أُنجز ويُنجز ليس نقداً موضوعياً، بل استغلال سياسي لحادث ينبغي أن يكون مدخلاً للإصلاح لا مناسبة لإنكار المنجز.
الوعي لا يبنى بالاستغلال وتوظيف الأحداث ، ولا بمنطق أن كل إنجاز يعفي من النقد؛ وإنما بمنطق أكثر نضجاً: نصلح ما يختل، ونحافظ على ما تحقق، ونواصل البناء .








