أخباراليوم. هناك لحظات لا تكون فيها المشكلة في الكلام الذي قيل، وإنما في الواقع الذي جعل ذلك الكلام ممكنًا.
وما يثار اليوم حول الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف، والمقاطع المنسوبة إليه وما تضمنته من عبارات جارحة تجاه فخامة رئيس الجمهورية، ينبغي ألا يُقرأ فقط من زاوية قانونية أو شخصية، بل باعتباره مناسبة لفتح ملف أوسع بكثير: ملف العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين المؤسسة العسكرية والدولة، وبين موازين القوة القديمة ومفهوم المواطنة الحديثة.
وقد نما إلى مسمعي أن بعض تلك المقاطع مفبرك، وأن العبارات المسيئة المنسوبة إلى الرجل لا أساس لها. وأرجو أن يكون ذلك صحيحًا، بل أميل إلى ترجيحه، لأنني لا أتصور أن رجلًا عُرف بالأنفة والشجاعة يمكن أن يختزل خلافه السياسي في خطاب مبتذل يسقط به إلى مستوى السب الشخصي.
لكن إن ثبتت صحة أي إساءة أو قذف، فلا أحد فوق القانون، ولا ينبغي للمعارضة أن تتخذ من حرية التعبير غطاءً للإهانة.
وفي المقابل، لا ينبغي للسلطة أن تتخذ من القانون غطاءً لمعاقبة المعارضة.
هذه هي المعادلة التي يجب ألا نضيعها.
ليست قضية لبات
قد يكون لبات ولد المعيوف هو الاسم الظاهر في هذه القضية، لكنه ليس القضية.
القضية هي: لماذا أصبح خروج رجل من داخل المؤسسة العسكرية السابقة على السلطة حدثًا صادمًا إلى هذا الحد؟
ولماذا تبدو معارضة الجنرال السابق أكثر حساسية من معارضة السياسي المدني؟
ولماذا لا يزال العسكري، حتى بعد تقاعده، يُنظر إليه باعتباره جزءًا من منظومة يجب أن تبقى داخل حدود معينة؟
هذه الأسئلة تقودنا إلى حقيقة يصعب إنكارها:
موريتانيا لم تتحرر سياسيًا بصورة كاملة من ظل المؤسسة العسكرية.
لقد تغيرت الوجوه، وتغيرت الأنظمة، وتبدلت الدساتير والحكومات، لكن المؤسسة العسكرية ظلت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، اللاعب الأكثر تأثيرًا في تحديد شكل السلطة وموازينها.
وهذه ليست إدانة للجيش كمؤسسة وطنية.
فالجيش شيء، والحكم العسكري شيء آخر.
الجيش مؤسسة للدفاع عن الوطن.
أما تحويل المؤسسة العسكرية إلى بوابة للسلطة السياسية، فهو أمر مختلف تمامًا.
من الانقلاب إلى الدولة… ومن الدولة إلى الانقلاب
منذ أول انقلاب، دخلت موريتانيا في علاقة ملتبسة مع المؤسسة العسكرية.
كل انقلاب كان يأتي غالبًا بخطاب إنقاذي: تصحيح المسار، إنهاء الفساد، إعادة بناء الدولة، حماية الوطن، أو إنقاذ الجمهورية.
لكن المفارقة أن الانقلاب الذي يأتي باسم الدولة ينتهي غالبًا إلى إعادة تشكيل الدولة وفق موازين القوة داخل المؤسسة نفسها.
وهكذا أصبح السؤال ليس: من يملك المشروع السياسي؟
بل: من يملك القوة التي تمكنه من الوصول إلى السلطة؟
وهذه نقطة جوهرية.
لأن الديمقراطية تفترض أن شرعية السلطة تأتي من المؤسسات والقانون والإرادة الشعبية.
أما منطق الانقلاب، فيفترض أن الشرعية يمكن أن تبدأ من القوة ثم تبحث لاحقًا عن الغطاء السياسي.
والفرق بين المنطقين ليس شكليًا.
إنه الفرق بين دولة تحكمها المؤسسات ودولة تتحكم فيها موازين القوة.
المشكلة ليست في العسكري… بل في دولة العسكري
لقد أصبح العسكري المتقاعد في موريتانيا جزءًا من ظاهرة سياسية واجتماعية أكبر.
فعدد من الذين مروا عبر المؤسسة العسكرية انتقلوا من الثكنة إلى الإدارة، ومن الإدارة إلى السياسة، ومن السياسة إلى الاقتصاد، ثم أعادوا إنتاج شبكات نفوذ تمتد عبر الدولة والمجتمع.
وهنا حدث شيء بالغ الخطورة:
لم تعد المؤسسة العسكرية مجرد مؤسسة داخل الدولة؛ بل أصبح جزء من الدولة نفسه متأثرًا بثقافة المؤسسة العسكرية.
ثقافة الأوامر.
ثقافة الولاء.
ثقافة التسلسل.
ثقافة الصمت.
ثقافة اعتبار الاختلاف تمردًا.
والدولة المدنية لا يمكن أن تُبنى بهذه الأدوات.
فالسياسة ليست ثكنة.
والمواطن ليس جنديًا.
والاختلاف ليس عصيانًا.
والنقد ليس تمردًا.
ولعل أخطر ما فعلناه هو أننا نقلنا عقلية المؤسسة إلى المجتمع
حين يصبح الولاء أهم من الكفاءة، فإن الدولة تبدأ في إنتاج موظفين موالين بدل إنتاج مؤسسات قوية.
وحين يصبح القرب من مركز القرار أهم من الاستحقاق، تصبح الوظيفة العامة مكافأة سياسية.
وحين تتحول التعيينات إلى عملية موازنة بين الولاءات الاجتماعية والسياسية، يصبح الوطن كله مجرد جدول لتوزيع الحصص.
وهنا نصل إلى ما أسميه “اقتصاد الكعكة السياسية”.
من يأخذ؟
ومن يُحرم؟
ومن يمثل هذه المجموعة؟
ومن يمثل تلك؟
ومن له نصيب من الإدارة؟
ومن له نصيب من الشركات؟
ومن له نصيب من المناصب؟
وفي ظل هذا المنطق، لا تعود الدولة دولة مواطنين.
تصبح الدولة خريطة لتوزيع النفوذ.
وهنا يعود التاريخ من الباب الخلفي
موريتانيا مجتمع لم يولد مع الدولة الحديثة.
قبل الدولة، كانت هناك إمارات ومشيخات وتحالفات قبلية ومراكز دينية وتجارية، وكان لكل مكوّن موقعه في ميزان القوة.
وكانت السلطة في مراحل مختلفة موزعة وفق موازين اجتماعية وعسكرية واقتصادية معقدة.
ثم جاءت الدولة الحديثة وقالت لنا، نظريًا:
لقد انتهى ذلك الزمن.
لم يعد هناك أمير ورعية.
لم تعد هناك جماعة صاحبة شوكة وأخرى تابعة.
لم يعد هناك مواطن أقرب إلى الدولة من مواطن.
أصبح الجميع متساوين أمام القانون.
لكن السؤال الصعب هو:
هل انتهى ذلك فعلًا؟
أم أننا نقلنا تلك الموازين القديمة من المجتمع إلى مؤسسات الدولة؟
إن كانت الدولة الحديثة قد ورثت المجتمع بكل تراتبياته ثم أعادت توزيعها عبر الوظائف والمناصب والامتيازات، فإننا لم نغادر الماضي.
لقد غيرنا فقط أدواته.
لا نريد استعادة الإمارات… ولكن لا نريد أيضًا إعادة إنتاجها
عندما يحذر البعض من استدعاء التاريخ الاجتماعي، فذلك مفهوم.
فموريتانيا لا تحتاج إلى العودة إلى منطق الإمارات، ولا إلى استعادة الصراعات القديمة، ولا إلى إعادة ترتيب المجتمع وفق خرائط القبيلة والشوكة.
لكن تجاهل التاريخ ليس حلًا.
بل إن إنكار المظالم التاريخية والاجتماعية قد يكون أخطر من الاعتراف بها.
لأن المجتمع الذي لا يجد تفسيرًا للغبن في مؤسسات الدولة، سيبحث عنه في ذاكرته.
وعندما تفشل الدولة في إنتاج العدالة، يبدأ الناس في إنتاج تفسيراتهم الخاصة للعدالة.
وحينها تعود أسماء المكونات، والقبائل، والإمارات، والتراتبيات القديمة.
ليس لأن الناس يريدون الماضي بالضرورة، وإنما لأن الحاضر لم يمنحهم دولة تقنعهم بأنها تجاوزته.
بني حسان وغيرهم… ليسوا المشكلة
ولا ينبغي أن نخطئ العنوان.
ليس بنو حسان هم المشكلة.
وليس أي مكوّن اجتماعي آخر هو المشكلة.
المشكلة هي أن الدولة لم تنجح بصورة نهائية في تحويل الانتماءات الاجتماعية إلى مواطنة متساوية.
فإذا كان أحد المكونات قد امتلك في مرحلة تاريخية قوة سياسية أو عسكرية أكبر، فذلك جزء من التاريخ.
وإذا تعرض مكوّن آخر للتهميش أو الظلم، فذلك أيضًا جزء من التاريخ.
لكن الدولة الحديثة لا ينبغي أن تكون محكمة للتاريخ.
لا ينبغي أن تنتقم من أحفاد من حكموا، ولا أن تعوض أحفاد من ظُلموا على حساب أجيال جديدة.
العدالة الحقيقية هي أن نضع قاعدة واحدة للجميع:
لا امتياز بالدم، ولا عقوبة بالدم.
لا وظيفة لأنك ابن فلان.
ولا حرمان لأنك ابن فلان.
التوريث أخطر من القبلية
لقد اعتدنا الحديث كثيرًا عن القبلية، لكننا نغفل أحيانًا عن نوع جديد من التوريث أكثر خطورة.
التوريث السياسي.
والتوريث الإداري.
والتوريث الاقتصادي.
حين يصبح أبناء الوزراء وزراء، وأبناء كبار المسؤولين كبار المسؤولين، وأبناء الضباط داخل دوائر النفوذ التي صنعها آباؤهم، فإننا أمام طبقة جديدة تتشكل داخل الدولة.
ولا يهم هنا أن تكون هذه الطبقة من قبيلة واحدة أو من عدة قبائل.
فالمشكلة ليست في القبيلة وحدها.
المشكلة في إغلاق أبواب الدولة أمام من لا يملك الواسطة والنسب والشبكة والعلاقة.
والدولة التي تغلق أبوابها بهذا الشكل تصنع الاحتقان بيديها.
من هنا أفهم قضية لبات ولد المعيوف
إذا كان لبات ولد المعيوف قد تعرض للإقصاء أو التهميش، فإن السؤال ليس: لماذا يعارض؟
السؤال هو:
هل عومل وفق قاعدة واحدة تطبق على الجميع؟
هل كان معيار الإبعاد هو الكفاءة؟
أم الموقف السياسي؟
أم شبكة العلاقات؟
أم أن الرجل دفع ثمن عدم انخراطه في دوائر النفوذ؟
لا أملك إجابات قاطعة عن هذه الأسئلة، ولا ينبغي أن ندعي امتلاكها.
لكنها أسئلة مشروعة.
وإذا كان الرجل، كما يعرفه كثيرون، لم يكن من أصحاب السجل المعروف في الاستفادة غير المشروعة من المال العام، وإذا كان والده من الضباط الذين خدموا الوطن، فلا ينبغي أن يكون الجزاء على ذلك هو الإقصاء لمجرد اختلاف الموقف.
النزاهة ليست تهمة، والاستقلالية ليست جريمة، والاختلاف ليس خيانة.
لكن الشجاعة لا تمنح حصانة
في المقابل، لا ينبغي أن تتحول هذه المرافعة إلى دفاع أعمى عن لبات.
فالذي يطالب بدولة القانون يجب أن يقبل بحكم القانون.
إذا أساء، يحاسب.
إذا قذف، يحاسب.
إذا تجاوز القانون، يحاسب.
لكن المحاسبة يجب أن تكون قضائية، عادلة، ومتناسبة مع الفعل.
ولا ينبغي أن يتحول الاختلاف السياسي إلى تهمة جاهزة.
فالدولة التي تريد أن تقنع الناس بأنها دولة مؤسسات يجب أن تثبت ذلك خصوصًا عندما يكون المتهم خصمًا سياسيًا مزعجًا.
العدل الحقيقي لا يظهر عندما تحاكم صديقك، بل عندما تحاكم خصمك وفق القانون نفسه.
الخطر القادم ليس في المعارضة
الخطر الحقيقي ليس أن يخرج لبات أو غيره ليعارض.
الخطر هو أن تصبح المعارضة نفسها بلا أفق.
حين تغلق السلطة أبواب الحوار، وتضعف الأحزاب، وتفقد المؤسسات الوسيطة قدرتها على التعبير، وتصبح الإدارة مجالًا للولاءات، فإن المجتمع يبحث عن أصوات بديلة.
وقد لا تكون تلك الأصوات دائمًا سياسية بالمعنى التقليدي.
قد تكون عسكرية متقاعدة.
وقد تكون قبلية.
وقد تكون شبابية.
وقد تكون اجتماعية.
وقد تكون غاضبة وغير منظمة.
وهنا تكمن الخطورة.
لأن الغضب عندما لا يجد مؤسسة تستوعبه، يبحث عن شخصية.
وعندما يجد الشخصية، يصنع منها رمزًا.
ثم يصبح الصدام بين الشخص والسلطة صراعًا أكبر من الشخص نفسه.
إنصاف المكونات لا يعني محاصصة المكونات
نحن بحاجة إلى تصحيح مفهوم مهم.
التمثيل العادل للمكونات الاجتماعية لا يعني أن تمنح كل قبيلة عددًا معينًا من المناصب.
ولا يعني أن يتحول مجلس الوزراء إلى مرآة للتركيبة الاجتماعية.
ولا يعني أن تصبح كل مؤسسة خاضعة لمعادلة قبلية.
بل يعني أن نضمن أن لا تكون هوية المواطن سببًا في منحه امتيازًا أو حرمانه منه.
وإذا كانت هناك اختلالات تاريخية حقيقية، فتعالج بسياسات وطنية شفافة، لا بتوزيع الغنائم.
لأن المحاصصة قد تحقق توازنًا مؤقتًا، لكنها لا تبني دولة.
أما الكفاءة والعدالة والشفافية، فهي التي تبني الدولة.
نحن أمام خيارين
إما أن نواصل إدارة البلاد بمنطق التوازنات:
هذا للقبيلة الفلانية.
وهذا للمجموعة الفلانية.
وهذا للضباط.
وهذا للمدنيين.
وهذا للموالين.
وهذا للمعارضين الذين يمكن استيعابهم.
وهذا لمن يملكون القدرة على الحشد.
وهذا لمن يملكون القدرة على الإزعاج.
وفي هذه الحالة ستظل الكعكة نفسها صغيرة، وسيظل الجوع إلى السلطة أكبر منها.
وإما أن ننتقل إلى منطق آخر:
من يستحق يأخذ، ومن لا يستحق لا يأخذ، بغض النظر عن اسمه وموقعه وانتمائه.
ذلك هو الطريق الأصعب.
لكنه الطريق الوحيد الذي يمكن أن ينهي هذه الدائرة.
المؤسسة العسكرية مطالبة أيضًا بالتحول
وأعتقد أن الوقت حان لطرح السؤال الذي نخشى طرحه:
هل تستطيع المؤسسة العسكرية أن تكون مؤسسة قوية، محترمة، وطنية، وفي الوقت نفسه أن تقبل بأن تكون السلطة السياسية شأنًا مدنيًا بالكامل؟
هذا ليس انتقاصًا من الجيش.
بل هو تكريم حقيقي له.
فالجيش القوي ليس الذي يحكم.
بل الذي لا يحتاج إلى الحكم كي يحظى بالاحترام.
والضابط الوطني ليس الذي يشارك في صناعة الحكومات، وإنما الذي يعرف أن مهمته حماية الدولة لا إدارة السياسة.
وعندما تصل موريتانيا إلى هذه المرحلة، نكون قد قطعنا فعلًا مع إرث الانقلابات، لا بمجرد تغيير الأسماء.
كلمة أخيرة
ربما تكون قضية لبات ولد المعيوف عابرة.
وربما تنتهي بمحضر قضائي أو نفي لمقاطع مفبركة.
لكن القضية التي كشفتها لن تكون عابرة.
إنها قضية دولة ما زالت تحمل في داخلها آثار مجتمع ما قبل الدولة، وتستخدم مؤسسات حديثة لإدارة توازنات لم تُحسم بصورة نهائية.
ولذلك لا أريد أن أرى لبات في السجن لمجرد أنه معارض.
ولا أريد أن أراه فوق القانون إذا أساء.
أريد أن أراه، كما ينبغي أن يكون كل مواطن موريتاني، تحت القانون وفوق الاستهداف.
وأريد أن يكون الرئيس فوق التجريح، لكنه أيضًا فوق الانتقام السياسي.
وأريد للمؤسسة العسكرية أن تكون فوق التجاذبات السياسية، لا فوق الدولة.
وأريد للمكونات الاجتماعية كلها أن تشعر بأن الدولة وطنها، لا أن تبحث كل مجموعة عن نصيبها من السلطة.
فموريتانيا لا تحتاج إلى إعادة عقارب الساعة إلى زمن الإمارات.
ولا تحتاج إلى إنتاج إمارات جديدة داخل مؤسسات الجمهورية.
ولا تحتاج إلى طغمة تحكم باسم حماية الدولة.
ولا تحتاج إلى محاصصة قبلية باسم العدالة.
ما تحتاجه هو شيء أبسط وأصعب:
دولة لا تسأل المواطن: من أنت؟
بل تسأله:
ماذا تستطيع أن تقدم؟
وعندما يصبح هذا هو السؤال الوحيد، لن يعود أحد بحاجة إلى استدعاء بني حسان، ولا الزوايا، ولا القبائل، ولا الإمارات، ولا تاريخ الشوكة.
فالتاريخ عندها سيبقى تاريخًا.
أما الدولة، فستصبح دولة.
وهذا هو الفارق بين جمهورية تحمل اسمًا حديثًا، وجمهورية تعيش فعلًا بمنطق الدولة الحديثة.
حمادي سيدي محمد آباتي








