أخبار اليوم. تشهد منطقة الساحل تحولاً لافتاً في موازين القوى، مع عودة الجزائر بقوة إلى الواجهة، بعد فترة من التوتر مع دول تحالف الساحل (مالي، النيجر، بوركينا فاسو)، حيث تمكنت من استعادة دورها كفاعل إقليمي محوري، مستخدمة مزيجاً من الدبلوماسية السرية، والوساطة في النزاعات، والاستثمارات الاقتصادية، والطاقة الإقليمية.
دبلوماسية الوساطة وإعادة فتح القنوات
في مؤشرات متتالية، لعبت الجزائر دوراً خلف الكواليس في إطلاق سراح 82 عسكرياً مالياً كانوا محتجزين لدى جماعات مسلحة، كما ساهمت في الإفراج عن رهينة ألماني من أصل تركي اختطف في النيجر. وقبل ذلك، توسطت الجزائر بين باماكو والفصائل الانفصالية الطوارقية، مما مهد لانسحاب القوات المالية والروسية من مدينة كيدال في أبريل الماضي، بعد هجوم واسع شنته تحالف “جبهة تحرير أزواد” و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”.
وقد توج هذا التقارب بزيارة رئيس الوزراء المالي إلى الجزائر في 10 أغسطس الجاري، بعد عودة السفير المالي إلى مقر عمله بالجزائر مطلع يوليو، وإعادة فتح الأجواء المدنية والعسكرية بين البلدين، بعد 15 شهراً من القطيعة الدبلوماسية التي تلت إسقاط الجيش الجزائري لطائرة مسيرة مالية في أبريل 2025 قرب الحدود.
الاقتصاد والطاقة: أدوات نفوذ جديدة
لم تقتصر استعادة النفوذ على الجانب السياسي والأمني، بل امتدت بقوة إلى المجال الاقتصادي. ففي منتصف أغسطس، دشنت الجزائر محطة كهرباء بطاقة 40 ميغاواط في النيجر كهدية من الجزائر، حيث يعتمد البلد على استيراد 70% من احتياجاته الكهربائية. كما شرعت شركة سوناطراك الجزائرية وشركة سونيديب النيجرية في تسويق أول ناقلة نفط خام نيجرية من ميناء سيميه في بنين، في إطار شراكة تجارية جديدة.
وتأتي هذه الخطوات في سياق إعادة إحياء مشاريع بنية تحتية كبرى كانت مجمدة، مثل “الطريق العابر للصحراء” الذي سيربط الجزائر بدول الساحل ونيجيريا، و”خط أنابيب الغاز العابر للصحراء” الذي سينقل الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر النيجر والجزائر، وهو المشروع الذي أعيد إطلاقه بعد المصالحة بين الجزائر والنيجر في فبراير الماضي.
حتمية جغرافية وتنافس إقليمي
يرى المحللون أن عودة الجزائر إلى الساحل لم تكن خياراً بقدر ما كانت ضرورة تفرضها الجغرافيا، حيث تشترك الجزائر بآلاف الكيلومترات من الحدود مع مالي والنيجر، ما يجعل استقرار المنطقة مرتبطاً مباشرة بأمنها الوطني. كما أن قدرتها العسكرية، كونها صاحبة أكبر جيش في المنطقة، إلى جانب خبرتها الطويلة في ملفات الصحراء والوساطة، تجعلها شريكاً لا يمكن تجاوزه في معادلة مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
لكن هذه العودة تأتي أيضاً في سياق تنافسي متزايد، مع وجود فاعلين دوليين وإقليميين آخرين في الساحل، على رأسهم روسيا (الحليف العسكري لدول التحالف)، وتركيا، والمغرب الذي يراهن على مشاريع إقليمية عبر واجهته الأطلسية. ورغم ذلك، تبدو الجزائر، بفضل أدواتها المتعددة، قادرة على استعادة موقعها التاريخي كـ”القوة الكبرى” في الصحراء، مع إدراكها أن استقرار الساحل يمر عبر تنمية اقتصادية حقيقية لا عبر الحلول الأمنية وحدها.








