رصاصة الرحمة على جسد الصحافة: تجفيف المنابع وخنق الحريات

أخباراليوم.    ​لم يكن المؤتمر الصحفي الأخير لرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني مجرد لقاء بروتوكولي عابر مع النخبة الإعلامية، ​بل جاء ليعكس مأزقاً بنيوياً عميقاً يعيشه الحقل الإعلامي في موريتانيا.

​فبينما انشغل الخطاب الرسمي بتقديم وعود مرنة حول مراجعة قانون الرموز وتغيير تسميته الحالية.
​جاءت القرارات الميدانية والتشريعية المتزامنة لتكشف عن توجه مغاير تماماً يضيق الخناق على المنصات المستقلة.

​وهذا لعمري ما أرادته الديكتاتورية فأخطأته.
​حيث يتحول هذا اللقاء في نظر مراقبين إلى خطوة رمزية تسبق إطلاق رصاصة الرحمة على جسد السلطة الرابعة. ​وذلك بعد تجفيف منابعها الاقتصادية الشحيحة التي تقتات عليها الصحافة الحرة.
​مما يحول وعود الإصلاح في عمقها إلى آلية خانقة للمقاولات الإعلامية الوطنية.

​وهل يعني حديث الرئيس واعترافه الضمني بالعجز عن مجابهة الفساد لوحده، أن الغول قد تغلغل في هرم السلطة ومفاصل الرئاسة؟

​وهل يمكن القول إن المفسدين أنفسهم هم من صاغوا هذه الوثائق القانونية والجبائية بدقة، بهدف تجفيف منابع الصحافة الحرة، وإسكات الأصوات الاستقصائية التي تكشف عورات فسادهم؟

​المقاربة القانونية: مناورة الرموز وتكريس الرقابة الذاتية

​رغم محاولة السلطة طمأنة الفاعلين عبر إبداء المرونة في تغيير اسم قانون حماية الرموز الوطنية أو حتى إلغائه إن اقتضت المصلحة العامة ذلك.

​إلا أن الجوهر القانوني والتشريعي يظل محل توجس كبير في الأوساط الصحفية والحقوقية.
​إن المعضلة الأساسية لا تكمن في المسميات والعناوين البراقة، ​بل تكمن في النصوص الفضفاضة والممارسات الميدانية التي تخلط بشكل واضح بين النقد السياسي المباح والمشروع للسياسات العمومية، وبين جرائم الحق العام والتشهير.

​هذا الوضع الضبابي يدفع الصحفي الاستقصائي وكاتب الرأي بطبيعة الحال إلى ممارسة رقابة ذاتية صارمة على قلمه خوفاً من التأويلات القانونية والملاحقات القضائية، ​مما يفرغ الحريات الصحفية من مضمونها الدستوري الفعلي.

​ويحد من جرأة التحقيقات التي تشخص الاختلالات البنيوية في الإدارة ومؤسسات الدولة.

​التجفيف الاقتصادي: ضريبة القيمة المضافة الرقمية كأداة خنق مالي

​بالتوازي مع التضييق القانوني، جاء مشروع قانون المالية المعدل ليوجه ضربة قاضية للبنية المالية الهشة أصلاً للمقاولات الصحفية، الورقية والإلكترونية.

​حيث أقر التعديل الجوهري فرض ضريبة القيمة المضافة على الخدمات والإعلانات الرقمية المستهلكة محلياً عبر المنصات العالمية مثل ميتا، فيسبوك، وغوغل، وكانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير.

​وفي ظل غياب سوق إشهار وطني منظم ومؤطر قانونياً، وتدني الدعم العمومي الموجه للصحافة، ​كانت هذه المنصات الرقمية تشكل المتنفس الاقتصادي الصغير والوحيد للمؤسسات الإعلامية لترويج محتواها وجلب معلنين محليين بأسعار تنافسية.

​إن فرض هذه الضريبة سيرفع كلفة الإعلانات بشكل حاد وبتأثير ارتدادي عكسي.
​ولن يدفع عمالقة التكنولوجيا عابري القارات ثمن هذه الجباية ​بل سيتحملها بالكامل الناشر المحلي والمستهلك الموريتاني ​مما يهدد بتجفيف ما تبقى من منابع تمويل شحيحة.
​ويدفع بالعديد من المنصات الإخبارية الجادة نحو الإغلاق القسري، ​تاركاً الساحة الإعلامية لقمة سائغة لصنّاع المحتوى الهابط والمؤثرين الرقميين.

​مأسسة الإشهار: تنظيم مهني أم احتكار موجه؟

​في سياق متصل، يأتي انطلاق أعمال الجمعية العامة الأولى لاتحاد مؤسسات الإشهار بنواكشوط، تحت رعاية سلطة تنظيم الإشهار.
​وهي خطوة تنظيمية تهدف في ظاهرها إلى إنهاء الفوضى العشوائية في قطاع الدعاية والإشهار وحماية قيم المجتمع.

​إلا أن هذا الإجراء، رغم ضرورته التنظيمية المبدئية، يثير مخاوف جوهرية داخل الحقل الإعلامي الحر.

​وتتمثل المخاوف في تحول هذه الأطر التنظيمية إلى أدوات لتوجيه أموال الدعاية الحكومية وإعلانات شركات الاتصال الكبرى بشكل انتقائي وموجه نحو جهات معينة تتماشى مع مراكز النفوذ.
​وكذلك استخدام الحصص الإعلانية كأداة معاقبة اقتصادية غير مباشرة ضد المنصات والصحف المستقلة التي تتبنى خطاً تحريرياً مشاكساً ومستقلاً.
​مما يقوض مبدأ تكافؤ الفرص والتنافسية الشريفة.

​خلاصة واستشراف: تشريح واقع أم حكم بالإعدام؟

​عند قراءة هذه المستجدات كحزمة تشريعية وإجرائية متكاملة، يتضح أن الصحافة الموريتانية باتت محاصرة بين فكي كماشة.

​تضييق قانوني يكرس الخوف والرقابة الذاتية، وخنق اقتصادي يجفف موارد البقاء.

​وبناءً على ذلك، فإن هذه المنظومة الجديدة تعد مجحفة وقاسية في سياقها الحالي، ​لأنها تسقط معايير تنظيمية وجبائية صارمة على بيئة إعلامية محلية تعاني من الهشاشة والفقر الهيكلي، ​دون تقديم أي بدائل تنموية أو صناديق دعم حقيقية تضمن استمرارية الإعلام المستقل كسلطة رابعة شريكة في البناء الديمقراطي.

​بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى
​كاتب وإعلامي موريتاني

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته
  • Related Posts

    كوناتي يتوقع أمطارا قوية على عدة ولايات

    أخبار اليوم.   توقع خبير الأرصاد الجوية عمر كوناتي وصول عاصفة رعدية قوية إلى الأراضي الموريتانية مساء اليوم، بعد تشكلها فوق النيجر واتجاهها غربًا عبر بوركينا فاسو ومالي. وقال كوناتي إن…

    اقرأ المزيد

    مؤتمر الرؤساء يحيل 3 مشاريع قوانين إلى اللجنة الاقتصادية ويحدد موعد مناقشتها

    أخبار اليوم.  أحال مؤتمر الرؤساء بالجمعية الوطنية، اليوم السبت، ثلاثة مشاريع قوانين مقدمة من الحكومة إلى لجنة الشؤون الاقتصادية، تمهيدًا لدراستها قبل عرضها على الجلسة العامة. وتتعلق المشاريع بالمصادقة على…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية