الإنصاف أم المحاصصة؟… أي طريق يحفظ وحدة موريتانيا؟

 

أخبار اليوم.   لا يختلف اثنان على أن موريتانيا تحمل خصوصية اجتماعية وثقافية نادرة، فقد تشكلت عبر قرون من التفاعل بين مكوناتها المختلفة: البيظان، والبولار، والسوننكي، والولوف، وهي مكونات أسهمت جميعها في بناء هذا الوطن، وتقاسمت أفراحه وأزماته.

كما لا يمكن لعاقل أن ينكر أن الرق ومخلفاته تركت جراحًا عميقة في المجتمع، وأن فئة الحراطين، كما توجد فئات مستضعفة داخل بقية المكونات الوطنية، عانت من مظالم تاريخية وآثار اجتماعية لا تزال بعض مظاهرها قائمة إلى اليوم. والاعتراف بهذه الحقيقة ليس منة من أحد، بل هو واجب أخلاقي ووطني، كما أن إزالة آثارها مسؤولية الدولة والمجتمع معًا، عبر التعليم، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكون علاج المظالم التاريخية بإعادة تعريف المجتمع على أسس قومية جديدة، أم ببناء دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع؟

لقد أدى التحول السياسي الذي عرفته البلاد، خاصة منذ تبني التعددية الحزبية، إلى انتشار منطق المحاصصة في كثير من المجالات، فأصبحت الوظائف والتمثيل السياسي، في أحيان كثيرة، تُقرأ من زاوية الانتماء الاجتماعي أو العرقي أكثر مما تُقرأ من زاوية الكفاءة والاستحقاق. ومع الوقت، نشأت حركات وتنظيمات تبني خطابها على تمثيل فئات بعينها، وأصبح الحصول على موقع في السلطة أو الإدارة يمر أحيانًا عبر بوابة الهوية لا عبر بوابة الجدارة.

غير أن من حق الآخرين أيضًا أن يتساءلوا: هل يؤدي تحويل المظالم الاجتماعية إلى قضية قومية إلى تعزيز الوحدة الوطنية أم إلى إضعافها؟

فالمعاناة من آثار الرق لم تقتصر، تاريخيًا، على مكون واحد، إذ عرفتها مجتمعات متعددة في البلاد، ولكل منها أشكالها الخاصة وتعقيداتها الاجتماعية. وإذا كان الجميع يطالب بالإنصاف، فإن ذلك ينبغي أن يكون في إطار مواطنة متساوية، لا في إطار هويات متقابلة قد تفتح الباب أمام انقسامات لا يحتاجها الوطن.

إن المطالبة بالمساواة الكاملة في التعليم، والعمل، والإدارة، والجيش، والقضاء، والفرص الاقتصادية، مطلب مشروع لا خلاف عليه، بل هو مقتضى الدستور والعدالة. لكن تحويل الهوية إلى وسيلة للتنافس السياسي قد يقود إلى نتائج لا تُحمد عقباها، خصوصًا في مجتمع متعدد المكونات.

إن التجارب الإفريقية والآسيوية تقدم نماذج مؤلمة لدول تحولت فيها المطالب الحقوقية المشروعة إلى صراعات هوياتية مزقت النسيج الوطني وأدخلت الشعوب في دوامات من العنف والانقسام. ولذلك فإن الحكمة تقتضي معالجة جذور الظلم دون صناعة هويات متصارعة.

إن موريتانيا اليوم ليست في حاجة إلى مزيد من التصنيفات، بل إلى مشروع وطني جامع، يقوم على ثلاثة أسس واضحة: سيادة القانون، والمساواة أمام القانون، وتكافؤ الفرص على أساس الكفاءة.

فحين يشعر المواطن أن مستقبله تحدده كفاءته لا نسبه، ولا لونه، ولا قبيلته، ولا مكونه الاجتماعي، ستتراجع تلقائيًا خطابات المظلومية وخطابات الامتياز معًا.

ولا شك أن القوى الخارجية قد تسعى أحيانًا إلى استثمار الانقسامات الداخلية في الدول الضعيفة خدمةً لمصالحها، وهذا أمر عرفه التاريخ السياسي في أكثر من منطقة من العالم. غير أن أفضل وسيلة لإفشال أي تدخل خارجي ليست تبادل الاتهامات بين أبناء الوطن، وإنما بناء دولة عادلة تجعل جميع المواطنين يشعرون بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات.

إن القضية الحقيقية ليست: من أي مكون أنت؟ بل: هل يستطيع كل موريتاني، أيًا كان انتماؤه، أن ينال حقه كاملًا دون وساطة أو محاباة؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل المثقفين والساسة والإعلاميين. فإذا نجحنا في بناء دولة القانون، فلن يكون هناك غالب ومغلوب، ولا منتصر ومهزوم، بل وطن يتسع للجميع، وتحكمه الكفاءة، وتصونه العدالة، وتجمع أبناءه المواطنة قبل كل اعتبار.

حمادي سيدي محمد آباتي

  • Related Posts

    موريتانيا تعرض قانونها الجديد للوثائق الوطنية في منتدى دولي للأرشيف بإسطنبول

    أخباراليوم   – يشارك المندوب العام للوثائق الوطنية، محمد المختار ولد محمد الهادي، في منتدى دولي بعنوان “المقاربات الجديدة في علم الأرشيف”، تنظمه إدارة أرشيف الدولة التابعة لرئاسة الجمهورية التركية في…

    اقرأ المزيد

    موريتانيا تدعو إلى تفعيل دور تجمع دول الساحل والصحراء وتعزيز مؤسساته

    أخبار اليوم.   أكد الأمين العام لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج، دمان همر، ضرورة إحياء دور تجمع دول الساحل والصحراء، والعمل على تعزيز فاعلية مؤسساته، بما يضمن اضطلاعه…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    ولد اجاي: تغلّبنا على مشكلة الطمي في نواكشوط

    • نوفمبر 7, 2026
    ولد اجاي: تغلّبنا على مشكلة الطمي في نواكشوط

    الوزير الأول: سنطلق مسارا لإعداد رؤية “موريتانيا التي نريد 2060”

    • نوفمبر 7, 2026
    الوزير الأول: سنطلق مسارا لإعداد رؤية “موريتانيا التي نريد 2060”

    عاجل وفد إيراني إلى الدوحة.. وواشنطن تبحث اتفاقاً سريعاً

    • نوفمبر 7, 2026
    عاجل وفد إيراني إلى الدوحة.. وواشنطن تبحث اتفاقاً سريعاً

    مايزيد علي 266 مركبة ودراجة و10 مسيرات لتأمين العاصمة نواكشوط

    • نوفمبر 7, 2026
    مايزيد علي 266 مركبة ودراجة و10 مسيرات لتأمين العاصمة نواكشوط

    و الغزواني: حجم الاحتياجات يستدعي مواصلة الجهود

    • نوفمبر 6, 2026
    و الغزواني: حجم الاحتياجات يستدعي مواصلة الجهود

    جامعة نواكشوط تعلن مسابقة للإقامة الطبية بـ70 مقعدًا

    • نوفمبر 5, 2026
    جامعة نواكشوط تعلن مسابقة للإقامة الطبية بـ70 مقعدًا