بين مطلب العدالة وسؤال الوحدة الوطنية: قراءة في بيان إيرا وسياق العريضة الموريتانية

 

أخباراليوم.  أثار البيان الصادر عن حركة إيرا نقاشًا واسعًا، ليس فقوط بسبب ما ورد فيه من مواقف، وإنما بسبب السياق السياسي الذي جاء فيه، خصوصًا بعد العريضة المطلبية التي وقعتها شخصيات وطنية وسياسية عديدة، والتي يبدو أنها شكلت خلفية مباشرة لهذا البيان.

وقبل الدخول في مضمون المواقف المتبادلة، تبرز مسألة أساسية تتعلق بالدقة في توصيف المشهد الوطني واحترام وعي القارئ. فقد قُدّم البيان باعتباره صادرًا عن أحد عشر حزبًا، وهو ما يفتح باب التساؤل حول طبيعة هذا التمثيل، خاصة إذا كانت قائمة الموقعين ـ حسب ما نُشر ـ تضم حزبًا مرخصًا واحدًا فقط، بينما تنتمي بقية الجهات إلى مشاريع أو أطر سياسية لم تحصل على الترخيص القانوني كأحزاب.

وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يتعلق الأمر باختلاف في فهم مفهوم الشرعية السياسية؟ أم أن استعمال صفة “أحزاب” في هذا السياق يتجاوز الواقع القانوني الذي تعرفه البلاد؟ فالقضية ليست شكلية، لأن احترام المؤسسات والقوانين جزء من بناء الثقة، كما أن ذاكرة المجتمع لا تحتمل تقديم أوصاف سياسية لا تنسجم مع الواقع الذي يعيشه المواطن.

وفي المقابل، فإن العريضة التي أثارت رد إيرا لم تكن صادرة عن جهة محدودة أو عن تيار أحادي كما قد يحاول البعض تصويرها، بل ضمت ـ حسب ما أعلن عنها ـ عددًا كبيرًا من الشخصيات الوطنية، تجاوز الألف، من بينهم فاعلون سياسيون وشخصيات عامة ذات حضور، ومن اتجاهات فكرية متعددة، بما في ذلك قوميون عرب من بعثيين وناصريين، ورؤساء أحزاب سياسية مرخصة لها حضور في الحياة العامة وتمثيل في المؤسسات المنتخبة، فضلًا عن شخصيات تمثل مختلف مكونات المجتمع الموريتاني.

ومن هنا يطرح سؤال آخر: هل من العدل اختزال هذا التنوع في موقف عنصري أو عدائي تجاه مكون بعينه؟ أم أن قراءة أكثر إنصافًا تقتضي النظر إلى هذه العريضة باعتبارها محاولة لطرح تصور يقوم على معالجة شاملة لكل المظالم الوطنية، دون إنكار لأي معاناة أو انتقاص من حق أي متضرر؟

إن النقاش حول قضايا مثل الإرث الإنساني لا يمكن فصله عن التاريخ السياسي الذي عرفته البلاد، ومنه تجربة حركة إفلام (FLAM) وما ارتبط بها من خطابات ومطالب في مراحل سابقة، ثم ظهور حركة إيرا لاحقًا بخطاب حقوقي وسياسي خاص بها. غير أن استحضار هذا التاريخ ينبغي أن يتم بميزان دقيق؛ فلا يجوز اختزال كل المواقف السابقة أو اللاحقة في صورة واحدة، ولا تحويل الاختلاف السياسي إلى حكم شامل على مكونات المجتمع.

إن المطالبة بحل جذري لملفات المظالم لا تعني بالضرورة تبني خطاب شوفيني؛ فهناك فرق جوهري بين الدعوة إلى العدالة والإنصاف، وبين تحويل قضايا المجتمع إلى وسيلة لإدانة مكون كامل أو تحميل جماعة بأكملها مسؤولية أخطاء أفراد أو مراحل تاريخية معينة.

كما أن وضع كل التيارات القومية العربية في خانة واحدة، واعتبارها بالضرورة معادية للمكونات الإفريقية، هو تعميم يحتاج إلى مراجعة تاريخية. فقد عرف التاريخ العربي الحديث شخصيات وتجارب قومية تبنت خطاب التضامن مع إفريقيا وقضايا التحرر فيها، وكانت هناك مراحل من التعاون والدعم بين بعض القوى العربية والحركات الإفريقية. وهذا يدل على أن الواقع أكثر تعقيدًا من الأحكام الجاهزة.

أما القضية الأهم فهي كيفية إدارة الخلاف داخل الدولة. فملف الإرث الإنساني، بما يحمله من حساسية وألم لدى فئات من المواطنين، يحتاج إلى معالجة مسؤولة تضمن الاعتراف بالمظالم وإنصاف المتضررين، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى إطار وطني جامع لا يسمح بتحويل الجراح إلى مصدر استقطاب دائم.

ومن هذا المنطلق، فإن إدراج أي ملف في حوار وطني يجب أن يخضع لمنطق التوافق بين جميع الأطراف المشاركة، من أغلبية ومعارضة، حتى يكون الحوار فعلًا وطنيًا شاملًا، لا مساحة لإقحام قضايا جزئية خارج التوافق السياسي العام أو خارج الصلاحيات المحددة للجهات المشرفة عليه.

إن قوة أي قضية عادلة لا تأتي من رفع سقف الاتهام، بل من قدرتها على بناء أوسع دائرة من التفاهم حولها. فموريتانيا لا تحتاج إلى معارك جديدة حول الماضي بقدر حاجتها إلى مصالحة عميقة مع تاريخها، تعترف بكل المظالم، وتحفظ في الوقت نفسه وحدة المجتمع وكرامة جميع أبنائه.

فالعدالة التي لا تجمع تبقى ناقصة، والوطن الذي لا يتسع للجميع لا يستطيع أن يطوي صفحات الألم.

حمادي سيدي محمد آباتي

  • Related Posts

    موريتانيا تعرض قانونها الجديد للوثائق الوطنية في منتدى دولي للأرشيف بإسطنبول

    أخباراليوم   – يشارك المندوب العام للوثائق الوطنية، محمد المختار ولد محمد الهادي، في منتدى دولي بعنوان “المقاربات الجديدة في علم الأرشيف”، تنظمه إدارة أرشيف الدولة التابعة لرئاسة الجمهورية التركية في…

    اقرأ المزيد

    موريتانيا تدعو إلى تفعيل دور تجمع دول الساحل والصحراء وتعزيز مؤسساته

    أخبار اليوم.   أكد الأمين العام لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج، دمان همر، ضرورة إحياء دور تجمع دول الساحل والصحراء، والعمل على تعزيز فاعلية مؤسساته، بما يضمن اضطلاعه…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    ولد اجاي: تغلّبنا على مشكلة الطمي في نواكشوط

    • نوفمبر 7, 2026
    ولد اجاي: تغلّبنا على مشكلة الطمي في نواكشوط

    الوزير الأول: سنطلق مسارا لإعداد رؤية “موريتانيا التي نريد 2060”

    • نوفمبر 7, 2026
    الوزير الأول: سنطلق مسارا لإعداد رؤية “موريتانيا التي نريد 2060”

    عاجل وفد إيراني إلى الدوحة.. وواشنطن تبحث اتفاقاً سريعاً

    • نوفمبر 7, 2026
    عاجل وفد إيراني إلى الدوحة.. وواشنطن تبحث اتفاقاً سريعاً

    مايزيد علي 266 مركبة ودراجة و10 مسيرات لتأمين العاصمة نواكشوط

    • نوفمبر 7, 2026
    مايزيد علي 266 مركبة ودراجة و10 مسيرات لتأمين العاصمة نواكشوط

    و الغزواني: حجم الاحتياجات يستدعي مواصلة الجهود

    • نوفمبر 6, 2026
    و الغزواني: حجم الاحتياجات يستدعي مواصلة الجهود

    جامعة نواكشوط تعلن مسابقة للإقامة الطبية بـ70 مقعدًا

    • نوفمبر 5, 2026
    جامعة نواكشوط تعلن مسابقة للإقامة الطبية بـ70 مقعدًا