مالي: هل ينهار مشروع “السيادة الأمنية” أمام تمدد الحركات المسلحة

أخبار اليوم.  في مالي، لم تعد التطورات الأمنية الأخيرة مجرد اضطراب عابر، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لمشروع السلطة العسكرية التي استولت على الحكم منذ عام 2021، والتي رفعت شعار “السيادة الأمنية” كأساس لشرعيتها السياسية.

فقد بنت هذه السلطة روايتها على فكرة بسيطة: أن التخلص من التدخلات الأجنبية سيمنح الدولة القدرة على استعادة السيطرة على كامل أراضيها. لكن بعد أكثر من ثلاث سنوات، يبدو أن هذه الوعود تتآكل أمام واقع ميداني أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا، خاصة مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة.

قطيعة مع الشركاء

على أرض الواقع، شكلت الهجمات المنسقة التي نفذها تنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) في نهاية أبريل، بالتعاون مع مجموعات طوارق في الشمال، والتي طالت مدنًا استراتيجية مثل كيدال وغاو وموبتي ومحيط باماكو، ضربة قوية لصورة السلطة وقدرتها على ضبط الأمن.

وفي سياق هذه التطورات، لا يتعلق الأمر فقط بخسائر ميدانية، بل بتراجع رمزي كبير في صورة المؤسسة العسكرية، خصوصًا مع الحديث عن استهداف شخصيات بارزة داخل المنظومة الدفاعية، ما يعكس هشاشة جهاز أمني كان يُقدَّم على أنه معزز ومُعاد هيكلته.

الأخطر من ذلك أن تنظيم “JNIM” لم يعد مجرد فاعل هامشي في الأطراف الريفية، بل أصبح قوة قادرة على تنفيذ عمليات معقدة ومنسقة تصل إلى محيط المدن الكبرى، في مؤشر على تحول نوعي في طبيعة الصراع داخل البلاد.

ويرى مراقبون أن هذا التصاعد لم يحدث رغم الخيارات التي اتخذتها السلطة، بل في بعض الحالات نتيجة لها، خصوصًا بعد القطيعة مع الشركاء الغربيين والاعتماد المتزايد على دعم روسي عبر قوات “أفريكا كوربس”، التي تُثار حول فعاليتها الكثير من التساؤلات.

فجوة كبيرة

في المقابل، لم تعد الخطابات الرسمية التي تؤكد صمود الدولة وقوة الجيش مقنعة كما في السابق، إذ تتزايد الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الأمني على الأرض، بينما تتراجع ثقة السكان في قدرة المؤسسات على توفير الحماية والخدمات الأساسية.

كما تكشف التطورات الأخيرة عن تعقيد أكبر في طبيعة النزاع، إذ لم يعد محصورًا في مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبح مرتبطًا بتداخلات اجتماعية وعرقية ومناطقية، وهو ما يجعل أي مقاربة أمنية بحتة غير كافية لاحتواء الأزمة.

وعلى المستوى الإقليمي، تعكس هذه الأزمة حدود المبادرات العسكرية المشتركة في منطقة الساحل، إذ تبدو غير قادرة على مواجهة تنظيمات عابرة للحدود تتمتع بمرونة عالية وقدرة على التكيف مع الظروف الميدانية.

هذا وتكشف أزمة مالي عن تناقض جوهري: سلطة رفعت شعار استعادة الأمن، لكنها تجد نفسها عاجزة عن تحقيقه، في وقت أصبح فيه تمدد الجماعات الجهادية ليس مجرد تهديد، بل مرآة تعكس عمق الأزمة السياسية والأمنية في البلاد

  • Related Posts

    موريتانيا إلى أين؟ قراءة في نهج الرئيس غزواني./بقلم جالو امادو كورل المنسق الوطني لأصدقاء الرئيس غزواني

      أخبار اليوم.  في قراءة تحليلية لخطاب فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وما حمله من مضامين تتصل بمستقبل البلاد ومسارها السياسي والاجتماعي والتنموي، تبرز جملة من القضايا…

    اقرأ المزيد

    زيارة إينشيري..محمد الأمين ولد لحويج

    أخبار اليوم.  للزيارة في ثقافتنا المحلية معنى يتجاوز الانتقال من مكان إلى مكان. فكلمة «الزيارة» ارتبطت في الذاكرة الشعبية أيضًا بزيارة الصالحين، وبأماكن بقيت حاضرة في وجدان الناس، مهما اختلفنا…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية