أحبار اليومم. في البيئات التي يستشري فيها الفساد، يحدث انقلاب صامت في سلّم القيم؛ تصبح الاستقامة خروجًا عن “المألوف”، ويُنظر إلى النزاهة كما لو كانت تشددًا غير مرغوب فيه. هناك، لا يُستغرب أن يُحارَب من يرفض الانخراط في شبكات التلاعب، بل يُستهدف تحديدًا لأنه يهدد توازنًا هشًا بُني على المصالح الضيقة.
لقد عرفت إدارة المصادر البشرية بوزارة التربية – في فترات سابقة – اختلالات عميقة، حتى باتت في نظر كثيرين إحدى بؤر الخلل داخل المنظومة. مسابقات مهنية يُشكك في نزاهتها، نتائج يُقال إنها تُوجَّه بدل أن تُستحق، ملفات تُباع وتُشترى، حقوق تُمنح على أساس القرب لا على أساس الاستحقاق، تحويلات وترقيات لا تمر عبر المساطر القانونية، بل تُصنع في الظل. بل إن الأمر – كما يتداوله الناس – تجاوز ذلك إلى إدراج أسماء في لوائح الخريجين لم تطأ يومًا مؤسسات التكوين، أو تغيير أطر وظيفية بطرق ملتوية، وكأن الإدارة تحولت إلى سوق مفتوحة لكل أشكال التحايل.
في مثل هذا السياق، لا يكون الإصلاح مجرد إجراء إداري، بل صدمة حقيقية لمن اعتادوا الاستفادة من الفوضى. ومنذ أن تولى محمد ولد الراجل إدارة هذا القطاع، بدأت ملامح القطيعة مع تلك الممارسات تتشكل: تضييق منافذ التلاعب، إخضاع الملفات للمراجعة، إعادة الاعتبار للنصوص القانونية، وترسيخ مبدأ أن الوظيفة العمومية حق يُنال بالكفاءة لا بالمحاباة.
ومن الطبيعي أن تثير هذه التحولات مقاومة. فالإصلاح، حين يكون جادًا، يسحب الامتيازات غير المشروعة من أصحابها، ويعيد توزيع الفرص على أساس عادل. لذلك، فإن الحملات التي تستهدف الرجل لا يمكن فصلها عن هذا السياق؛ فهي في كثير من الأحيان تعبير عن انزعاج من فقدان “مكتسبات” لم تكن يومًا مشروعة.
أما ما يُتداول عن صرامته في الخطاب، خاصة مع من يحاولون تمرير ما لا يمر، فذلك – في حد ذاته – ليس عيبًا، بل قد يكون من لوازم الموقف حين يتعلق الأمر بحماية المرفق العام. فالنزاهة لا تكون دائمًا لينة، والوضوح لا يكون دائمًا مريحًا.
ومع ذلك، يبقى المعيار الحقيقي لأي مسؤول هو سجلّه العملي: هل ثبتت عليه شبهة فساد؟ هل وُجهت له اتهامات موثقة تمس ذمته؟ أم أن كل ما يُثار يندرج في إطار ردود الفعل على إغلاق أبواب كانت مفتوحة لغير المستحقين؟
في النهاية، حين يصبح المستقيم متهمًا فقط لأنه مستقيم، فذلك لا يقول شيئًا عنه بقدر ما يكشف عمق الخلل في البيئة التي يعمل فيها. والإصلاح، مهما طال أمد مقاومته، يظل المسار الوحيد القادر على إعادة التوازن، حتى وإن دفع روّاده ثمنًا من سمعتهم وراحتهم.
حمادي سيدي محمد آباتي









