حين يتحول الغضب إلى تفسير سهل قراءة في خطاب تحميل الضرائب مسؤولية انهيار الدولة

 

أخبار اليوم.   في لحظات الاحتقان الاجتماعي، يصبح الغضب أسرع الطرق إلى التفسير.
الغضب يختصر المسافات، ويعفي العقل من عناء التفكيك، ويمنحنا وهم الفهم السريع للأحداث. لذلك نرى – كلما اشتدت الأزمة – خطابًا يميل إلى اختزال المشكلات المركبة في سبب واحد، أو شخص واحد، أو قرار واحد.

لكن الدول، مثل المجتمعات، لا تتحرك بهذه البساطة.

لقد قرأتُ النص الذي حمل عنوان “صرخة من قاع الواجب الوطني”، وهو نص مشحون بقدر كبير من القلق والغضب. ولا شك أن جزءًا من هذا الغضب مفهوم، لأن توسيع الوعاء الضريبي في بلد يعاني أصلًا من هشاشة اجتماعية واقتصادية سيصيب بالضرورة الفئات الأكثر ضعفًا.

فالضرائب على الهواتف النقالة، وعلى التحويلات المالية عبر الوسائط الرقمية مثل بنكيلي والسداد، تمسّ الناس في تفاصيل حياتهم اليومية. والهاتف لم يعد رفاهية في مجتمع مثل مجتمعنا؛ لقد أصبح وسيلة عمل، وأداة تحويل مال، وجسرًا بين الأسرة الواحدة الموزعة بين المدن والقرى.

لهذا فمن الطبيعي أن يتأثر المواطن الفقير بهذه السياسات.

لكن الطبيعي أيضًا أن نفرّق بين النقد السياسي والقفز إلى الاستنتاجات.

إن الفرضية التي يطرحها المقال – وهي أن الحكومة تعمل عمليًا على إسقاط نظام الرئيس عبر دفع الناس إلى الثورة – ليست تحليلًا بقدر ما هي رواية سياسية جذابة.

لأن السؤال الأول الذي يقفز إلى الذهن بسيط إلى درجة الإحراج:

هل يمكن تصور أن رئيس الدولة غير مطلع على سياسات حكومته المالية؟

في الدول الحديثة، لا تُفرض سياسات ضريبية بهذا الحجم في الظل.
وإذا كانت هذه السياسات خطأً – وهو أمر قابل للنقاش – فإن الخطأ هنا سياسي مؤسسي لا يمكن اختزاله في وزير واحد مهما كان موقعه.

إن تحويل الأزمة إلى قصة “وزير متهور يقود النظام إلى السقوط” قد يرضي المزاج الغاضب، لكنه لا يفسر الواقع.

ثم إن الحديث عن نية الوزير في زعزعة النظام يبدو أكثر هشاشة عندما نتذكر حقيقة بسيطة: الرجل لم يصل إلى موقعه عبر مواجهة سياسية مع السلطة، بل عبر الثقة التي منحته إياها.

ومن غير المعقول سياسيًا أن يعمل شخص على تقويض النظام الذي صنع نفوذه.

المشكلة الحقيقية – في رأيي – ليست مؤامرة داخل السلطة، بل خلل بنيوي أعمق بكثير.

إن موريتانيا تعيش منذ عقود داخل نموذج اقتصادي ريعي.
دولة تعتمد على الموارد أكثر مما تعتمد على الإنتاج، وعلى العائدات أكثر مما تعتمد على خلق الثروة.

وهذا النموذج يولد دائمًا نفس المأزق:
كلما ضاقت موارد الدولة، لجأت إلى توسيع الوعاء الضريبي.

لكن الأزمة ليست في الضريبة بحد ذاتها.

فالضريبة في كل دول العالم هي الثمن الذي يدفعه المواطن مقابل الدولة.

الأزمة تبدأ عندما يشعر المواطن أن هذا الثمن يُدفع دون مقابل.

عندما يدفع الناس الضرائب ولا يرون تعليمًا يليق بأطفالهم، ولا مستشفيات تحمي حياتهم، ولا ماءً في صنابيرهم، ولا كهرباء في بيوتهم، ولا عدالة في محاكمهم.

عندها تتحول الضريبة من أداة تمويل للدولة إلى رمز لانفصال الدولة عن المجتمع.

لكن هناك بعدًا آخر في المعادلة لا يقل أهمية، وغالبًا ما نتجاهله: المجتمع نفسه.

فالمجتمعات التي تعرف حقوقها لا تنتظر الانفجار كي تعبر عن غضبها.
لديها نقابات قوية، ومؤسسات مدنية، وثقافة مساءلة، وآليات ضغط منظمة.

أما المجتمعات التي لم تتشكل فيها هذه الأدوات بعد، فإن الاحتجاج فيها يبقى غالبًا انفعاليًا وقصير النفس.

والحقيقة الصعبة التي لا يحب كثيرون سماعها هي أن المجتمع الموريتاني لم يبن بعد ثقافة سياسية قوية للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

لقد نشأ وعي سياسي مشوَّه يقوم على معادلة غريبة:
الخوف من النظام… والطمع في النظام.

الخوف من السلطة لأنها تملك القوة،
والطمع فيها لأنها تملك الموارد.

وهذه الثنائية صنعت شعبًا يتذمر كثيرًا… لكنه يحتج قليلًا.

ولهذا فإن تصوير أي قرار ضريبي على أنه الشرارة التي ستطلق ثورة شعبية شاملة قد يكون قراءة متعجلة.

ليس لأن الناس سعداء، بل لأن بنية الوعي السياسي نفسها لم تصل بعد إلى تلك المرحلة.

إن أزمة موريتانيا ليست ضريبة الهواتف، ولا ضريبة التحويلات المالية، ولا حتى حكومة بعينها.

أزمة موريتانيا أعمق من ذلك بكثير.

إنها أزمة دولة ما تزال تبحث عن نموذج اقتصادي واضح، ومؤسسات قوية، وثقافة سياسية حديثة.

ولهذا فإن الطريق الحقيقي للخروج من هذا المأزق لا يمر عبر خطاب التخويف من الانهيار، بل عبر مواجهة الأسئلة الحقيقية:

كيف ننتقل من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج؟

كيف نبني نظامًا ضريبيًا عادلًا لا يسحق الفقراء ولا يعفي الأقوياء؟

كيف نخلق مجتمعًا يعرف حقوقه ويطالب بها بوعي وتنظيم؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد مستقبل البلاد.

أما تحويل كل أزمة إلى نبوءة سقوط، فهو في الغالب لا يعكس تحليلًا بقدر ما يعكس حالة من الإرهاق الجماعي الذي أصاب المجتمع.

وفي النهاية تبقى حقيقة بسيطة، لكنها قاسية:

الدول لا تسقط بسبب ضريبة واحدة.

لكنها قد تسقط عندما يتآكل جسر الثقة بينها وبين مواطنيها.

وعندما يصل المجتمع إلى لحظة يفقد فيها الإيمان بأن الدولة تعمل لأجله، عندها فقط يصبح الشارع – كما قلتُ في مقال سابق – المسرح الوحيد للبوح.

حمادي سيدي محمد آباتي

  • Related Posts

    وفاة 5 عمال وإصابة 5 آخرين في انهيار مبنى بمال

    أخباراليوم. قال المدير الجهوي للأمن المدني بولاية البراكنة إبراهيم ولد الكوري إن انهيار مبنى اليوم السبت في مدينة مال أدى إلى وفاة خمسة عمال، وإصابة خمسة آخرين، بعضهم في حالة…

    اقرأ المزيد

    غينيا بيساو: اعتماد دستور جديد يعزز صلاحيات الرئيس

    أخباراليوم.  أعلن في غينيا بيساو رسميا عن اعتماد دستور جديد، جرى التصويت عليه في 30 من أغسطس الماضي، وذلك بعد انتهاء الأجل القانوني دون الطعن في نتائج الاستفتاء أمام المحكمة…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية