العدل أولًا… وإلا سقط الأمن

 

أخبار اليوم.     لا تستقيم الدول بالأمن وحده، ولا تُحمى بالهراوات ولا بالبلاغات. العدل هو الأساس، وكل أمن لا يقوم عليه يتحول إلى قشرة هشة، سرعان ما تتشقق عند أول اختبار اجتماعي أو سياسي.

في موريتانيا، يتسع الشعور بالغبن يومًا بعد يوم. غبن لا يطال مكوّنًا بعينه، بل يضرب المجتمع عرضًا: فقر، بطالة، تمييز في الفرص، إفلات من العقاب، وضعف ثقة في العدالة. هذا الخلل البنيوي هو الخطر الحقيقي، لا الأصوات الغاضبة التي تكشفه.

تعميم سياسي يضلل المعركة

الخطأ القاتل في بعض الخطابات الاحتجاجية، خصوصًا خطاب حركة إيرا، هو تحويل ظلم عام إلى اتهام جماعي. فبدل توجيه البوصلة نحو منظومة الحكم والفساد، جرى تحميل فئة اجتماعية كاملة مسؤولية الغبن.
هذا التعميم لا يصح سياسيًا ولا أخلاقيًا، وهو مخالف لروح الدستور الذي يقوم على المساواة بين المواطنين دون تمييز.

النتيجة كانت عكسية: فئة تعاني بدورها من التهميش وجدت نفسها في موقع الدفاع عن الذات، لا في موقع مساءلة السلطة. وهكذا انتقلت من موقع الضحية إلى موقع الاصطفاف القَلِق مع نظام لا ينصفها، فقط لأنه بدا أقل تهديدًا من خطاب يضعها في قفص الاتهام الجماعي.

سلطة تستفيد من الاستقطاب

هنا تبرز مسؤولية النظام. فالدولة التي تعجز عن إرساء العدالة، أو لا تريد ذلك، تجد في الانقسام الهوياتي أداة مريحة لإدارة الأزمة.
بدل صراع سياسي واضح حول الحقوق والحكم الرشيد، يتحول المشهد إلى نزاع اجتماعي أفقي، تتوارى فيه المسؤوليات، ويُعاد تقديم السلطة كضامن للاستقرار، لا كسبب للأزمة.

هذا الأسلوب يناقض جوهر الدولة الدستورية، التي يفترض أن تكون طرفًا خاضعًا للمساءلة، لا حكمًا بين ضحايا.

أمن بلا وقاية… ودولة بلا هيبة قانونية

الأمن، وفق القانون، وظيفة وقائية قبل أن يكون ردّ فعل. لكن ما نراه هو العكس: جرائم بشعة تقع، ثم يُعلن بسرعة عن القبض على الجناة، مع وصفهم المتكرر بأنهم “أصحاب سوابق”.
إذا كانوا معروفين، فأين كانت الوقاية؟ وأين فاعلية الأجهزة؟

هذا الواقع يطرح سؤالًا دستوريًا مباشرًا:
هل تقوم الدولة بواجبها في حماية الحق في الحياة والأمن، أم تكتفي بإدارة ما بعد الجريمة؟

المال المشبوه وتفكيك احتكار القوة

الأخطر هو غضّ الطرف عن الثراء الفاحش مجهول المصدر. الدستور والقانون يفرضان الشفافية ومكافحة غسل الأموال، لكن الواقع يشهد صعود قوى مالية تتحول بسرعة إلى قوى أمنية خاصة.
حين يبدأ الأفراد في بناء حمايات مسلحة، فإن الدولة تكون قد تنازلت عمليًا عن احتكار القوة، وهو جوهر سيادتها.

التجربة السودانية ليست بعيدة:
قوى “أحميدتي” لم تكن سوى مليشيا حماية، ثم تحولت – بالمنطق نفسه – إلى “الدعم السريع”. لا فرق بينهما في الجوهر: المال، السلاح، وغياب الدولة. الاسم يتغير، لكن النتيجة واحدة: دولة تنازعها قوة موازية.

الخلاصة

لا عدالة بلا دولة قانون، ولا أمن بلا عدالة.
الدستور لا يحميه الصمت، بل تطبيقه.
ومن يظن أن كسر المطالب بالهراوات، أو تفريق المجتمع بالخطاب الهوياتي، يحقق الاستقرار، يراهن على وهم قصير الأجل.

الطريق الوحيد الآمن هو إصلاح سياسي حقيقي، ومساءلة عادلة، واحتكار صارم للقوة بيد الدولة، دون استثناء ولا انتقائية.
غير ذلك… مجرد تأجيل لانفجار قادم.

  • Related Posts

    وزير المالية يستقبل المدير العام للجمارك الجزائرية

    أخبار اليوم.  استقبل وزير المالية، كوديورو موسى انكنور، ظهر اليوم الأربعاء بمكتبه في نواكشوط، المدير العام للجمارك الجزائرية، اللواء عبد الحفيظ بخوش. وتناول اللقاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك بين…

    اقرأ المزيد

    رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان يستقبل ممثل مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان

    أخبار اليوم.  استقبل رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، السيد محمد محمود داهي، اليوم الأربعاء في نواكشوط، ممثل مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالوكالة في بلادنا، السيد جيبو هاماتي. وتناول اللقاء…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية