أخبار اليوم ليست أخطر علامات انهيار الدول أن تعجز عن بناء طريق، أو أن تتأخر في تشييد مستشفى، أو أن تتعثر موازنتها. فكل ذلك يمكن تداركه. أما حين تنهار منظومة المعايير التي تقوم عليها الدولة، فإنها تدخل مرحلة أكثر خطورة؛ مرحلة تتآكل فيها شرعية المؤسسات من الداخل، حتى وإن بقيت الجدران قائمة والأعلام مرفوعة.
إن الدولة لا تُقاس بما ترفعه من شعارات، وإنما بما ترسخه من قواعد. وأول هذه القواعد أن يكون الاستحقاق طريقًا إلى المسؤولية، وأن تكون الكفاءة جواز المرور إلى مواقع القرار، وأن يصبح القانون هو الحكم بين الناس، لا الأنساب، ولا شبكات المصالح، ولا ميزان الولاءات.
لكن ماذا يبقى من الدولة عندما تصبح هذه القواعد مجرد نصوص محفوظة؟
عندما يتحول التعيين إلى مكافأة للولاء، أو تسوية لحسابات النفوذ، أو وسيلة لإخماد الأصوات المرتفعة، فإن الخاسر ليس صاحب الكفاءة وحده، وإنما تخسر الدولة نفسها. لأنها تعلن، دون أن تقول ذلك صراحة، أن التفوق لم يعد الطريق الأقصر، وأن الاجتهاد لم يعد الاستثمار الأكثر ربحًا.
وعندما يكتشف الشباب أن من يجيد صناعة الضجيج أسرع وصولًا ممن يجيد صناعة الإنجاز، وأن من يتقن تسويق المظلومية يحصد من المكاسب ما لا يحصده صاحب الشهادة والخبرة، فإنهم لن يغيروا فقط وسائلهم في البحث عن المستقبل، بل سيعيدون تعريف النجاح نفسه.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.
إذ تتحول المظلومية إلى رأسمال سياسي، والانقسام إلى مورد اقتصادي، والهوية الفرعية إلى مشروع استثماري. يصبح الحديث عن الغبن تجارة، وإحياء الأحقاد صناعة، وتغذية الانقسامات سلعة مطلوبة في سوق السياسة.
وحين تصبح تجارة المظالم أكثر ربحًا من صناعة الحلول، فلا تسأل بعد ذلك لماذا تتسع الفجوات بين أبناء الوطن، ولا لماذا تتراجع الثقة في الدولة.
وليس أخطر من ذلك إلا أن يشعر المواطن الشريف بأن صدقه أصبح عبئًا، وأن أمانته لم تعد ميزة، وأن وفاءه للدولة لم يمنحه سوى الانتظار الطويل، بينما تُفتح الأبواب أمام من احترف الابتزاز، أو أتقن تغيير المواقف، أو جعل من الإساءة إلى وطنه وسيلة للتفاوض على موقع أو امتياز.
في مثل هذه البيئات، لا تسقط قيمة الكفاءة وحدها، بل تسقط معها منظومة الأخلاق العامة. فلا يعود الصدق فضيلة، ولا الأمانة طريقًا، ولا الوفاء قيمة عملية. وتصبح الرسالة التي يتلقاها الجيل الجديد قاسية وواضحة: ليس المهم أن تكون صالحًا، بل أن تكون مؤثرًا؛ وليس المهم أن تبني، بل أن تعرف كيف تفرض نفسك على من يبني.
ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا يهاجر أصحاب العقول؟
الحقيقة أن كثيرًا منهم لا يغادرون بحثًا عن راتب أعلى، وإنما بحثًا عن مجتمع يحترم ما يحملونه من علم، ويمنحهم فرصة عادلة، ويقنعهم بأن سنوات الدراسة لم تكن مغامرة خاسرة.
لقد أنفقنا أعمارنا في تعليم أبنائنا، وأقنعناهم أن المستقبل تصنعه المعرفة، وأن الدولة تحتاج إليهم، وأن الوطن ينتظر عودتهم. لكننا اليوم نجد أنفسنا أمام السؤال الأكثر إيلامًا: بأي منطق نقنعهم بالعودة، وهم يرون أن ميزان الفرص مختل، وأن معايير الاختيار مضطربة، وأن منطق الاستحقاق يتراجع أمام منطق الوساطة والزبونية والمحسوبية؟
إن أخطر ما يمكن أن تخسره أمة ليس هجرة الكفاءات، بل فقدان إيمان الكفاءات بوطنها.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يفرض علينا الاعتراف بأن دولتنا، مقارنة بتاريخ الأمم، ما تزال في طور التشكل؛ فلم يبلغ عمرها سبعين عامًا. وما نراه اليوم ليس لعنة أبدية، بل نتيجة تراكمات في أنماط التسيير، يمكن إصلاحها متى عادت هيبة القانون، وخضع الجميع للمساءلة، وأصبح نهب المال العام جريمة تُعاقب، واستغلال الوظيفة العامة خيانة للأمانة لا طريقًا للترقي.
إن الدول لا تنهار يوم تفرغ خزائنها، وإنما يوم يقتنع مواطنوها أن العدالة لم تعد معيارًا، وأن القانون أصبح انتقائيًا، وأن الكفاءة لم تعد عملة متداولة.
وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإن إعادة بناء الجسور بين الدولة ومواطنيها تصبح أصعب من بناء الجسور فوق الأنهار.
إن معركتنا اليوم ليست معركة مناصب، ولا صراعًا على الوظائف، بل معركة لاستعادة معنى الدولة نفسها.
فالدولة التي تكافئ الولاء أكثر من الكفاءة، والضجيج أكثر من الإنجاز، والمصلحة الخاصة أكثر من المصلحة العامة، لا تظلم أفرادًا فقط، بل تربي أجيالًا كاملة على احتقار الفضيلة.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل مسؤول ليس: كيف نملأ الوظائف؟ بل: كيف نعيد للمجتمع ثقته بأن النزاهة ليست طريقًا للخسارة، وأن الكفاءة ليست تهمة، وأن الوطن لا يزال جديرًا بأن يحلم به أبناؤه؟
فحين تفقد الدولة قدرتها على إقناع أفضل أبنائها بالبقاء، لا تكون قد خسرت موظفين فحسب… بل تكون قد بدأت تخسر مستقبلها..








