أخبار اليوم. لم يكن المؤتمر الصحفي الذي عقده فخامة رئيس الجمهورية مساء أمس مع ممثلي الصحافة الوطنية ووسائل الإعلام الدولية مجرد موعد إعلامي دوري، بل بدا لحظةً سياسية ومؤسسية بامتياز، تستدعي التوقف عند دلالاتها أكثر من تفاصيلها. فالدول لا تُقاس بما تنجزه من مشاريع فحسب، وإنما بالطريقة التي تُدير بها علاقتها بالرأي العام، وبالقدر الذي تجعل فيه من الشفافية ثقافةً في الحكم. وفي هذا السياق، جاء اللقاء ليؤكد أن الانفتاح على الإعلام أصبح جزءًا من فلسفة الحكم، لا مجرد استجابة لمناسبة.
دولة المؤسسات تبدأ من احترام المواطن
أبرز ما استوقفني أن فخامته لم يتعامل مع الأسئلة باعتبارها امتحانًا سياسيًا ينبغي تجاوزه، بل باعتبارها حقًا مشروعًا للرأي العام في المعرفة. ولذلك جاءت الإجابات هادئة دقيقة مسنودة بالوقائع والأرقام، في مشهد يعكس ثقةً في سلامة الخيارات واحترامًا لعقل المواطن. وقد بدا واضحًا أن الإحاطة الدقيقة بالملفات ثمرةُ متابعة يومية للشأن العام، وهو ما جعل الانتقال بين الملفات الاقتصادية والدستورية والدبلوماسية يتم بانسجام يندر في مثل هذه اللقاءات.
الحوكمة… من الالتزام السياسي إلى الثقافة المؤسسية
في حديثه عن محاربة الفساد، لم يكتفِ فخامته بموقف مبدئي، بل قدّم مؤشرات عملية على التحول الذي تشهده الإدارة العمومية، وفي مقدمتها التراجع غير المسبوق في صفقات التراضي، بما يعكس انتقال الإصلاح من دائرة التعهدات إلى فضاء الممارسة. فالرهان الحقيقي ليس إصدار النصوص، وإنما تحويلها إلى ثقافة مؤسسية يشعر المواطن بآثارها في كفاءة الخدمة وحسن تسيير المال العام.
الدستور… قيمة مؤسِّسة لا مجال للتأويل فيها
في الملف الدستوري، جاءت الرسالة واضحة راسخة؛ فاحترام الدستور تعبيرٌ عن وعي بأن استقرار الدول يبدأ من استقرار قواعدها، وأن قوة المؤسسات تقاس بقدرتها على إلزام الجميع، وفي مقدمتهم من يتولون قيادتها. وقد حمل ذلك رسالة اطمئنان مفادها أن الشرعية الدستورية ستظل الإطار الحاكم للممارسة السياسية، وأن الانتظام المؤسسي خيار لا يخضع لحسابات اللحظة .
دقة المفهوم… قبل دقة النص
ومن الإشارات التي تستحق التأمل تفضيلُه الحديث عن «حماية الأمة» أو «حماية الجمهورية» بدلًا من «قانون الرموز». فحين يُعاد توجيه المصطلح نحو حماية الدولة ومؤسساتها ووحدتها الوطنية، يصبح النقاش أقرب إلى المصلحة العامة وأبعد عن الشخصنة، في مقاربة تعكس وعيًا بأن دقة المفهوم كثيرًا ما تكون مقدمة لدقة التشريع.
الاقتصاد… حين تُقال الحقيقة كما هي
ومن أهم لحظات المؤتمر تناولُه ملف النفط والغاز، إذ قدّم الحقيقة كما هي دون تهويل أو تبسيط مخل. فالصناعات الاستخراجية ليست موردًا سريع العائد، وإنما مسار استثماري طويل تحكمه شراكات معقدة والتزامات مالية وتقنية، قبل أن تتحقق العوائد الصافية للدولة. والقيمة الكبرى في هذا الطرح تكريسُ ثقافة جديدة في التواصل الاقتصادي قوامها الصراحة مع المواطن، لأن بناء الثقة يبدأ من بناء الوعي.
سياسة خارجية بميزان الدولة
وفي الشأن الخارجي، عكست إجاباته إدراكًا لطبيعة التحولات التي يشهدها العالم، وللدور المتنامي الذي تضطلع به موريتانيا في محيطها الإقليمي والدولي. واتسم الخطاب بالاتزان الذي يميز الدبلوماسية الرصينة؛ فلا اندفاع ولا مسايرة للانفعالات، وإنما دفاع هادئ عن المصالح الوطنية جعل من موريتانيا شريكًا يحظى بالثقة والتقدير.
الإعلام الوطني… شريك في بناء الوعي
ومن الرسائل المهمة تأكيدُ فخامته أن الإعلام الوطني هو الأحق بالمعلومة، وأن التواصل معه ينبغي أن يظل مفتوحًا ومستمرًا. فالإعلام الوطني شريك في بناء الوعي العام وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، وجودة القرار العمومي تزداد كلما اتسعت دائرة المعلومة الصحيحة.
دلالات المشهد
ومن التفاصيل التي لا تخفى دلالتها إدارةُ فخامته للمؤتمر بنفسه على امتداد نحو أربع ساعات، دون أن تحجب حضورَه كثافةُ الملفات. ولم يكن غياب أعضاء الحكومة عن المنصة تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالةً مؤسسية مفادها أن الرئيس يتولى بنفسه مخاطبة الرأي العام في القضايا الاستراتيجية، مستندًا إلى إلمام دقيق بالملفات. وفي المقابل، حافظ على بساطته وهدوئه وتفاعله الإيجابي مع الصحفيين، بما يؤكد أن هيبة الدولة تبنى بالكفاءة والصدق والقدرة على الإنصات، لا بالمسافة.
خاتمة
لقد كان هذا المؤتمر أكثر من لقاء إعلامي؛ كان درسًا في إدارة العلاقة بين الدولة والرأي العام، وتجسيدًا لفلسفة حكم ترى أن الشرعية تتعزز بالإنجاز وتترسخ بالمصارحة وتكتمل بالتواصل المباشر. إن الدول الواثقة من خياراتها لا تخشى الأسئلة، بل تعتبرها فرصة لشرح السياسات وتصويب المفاهيم. وذلك هو المعنى الأعمق الذي خرج به المتابعون: أن موريتانيا تمضي في ترسيخ تقاليد تجعل من الحوار قيمة في ذاته، ومن الشفافية أحد أعمدة الحكم الرشيد، ومن احترام المواطن أساسًا في بناء الدولة.








