أخبار اليوم. بين علم الأوراق (ثروة الفقهاء وحصيلة أعمارهم) وعلم الأذواق (خلاصات التزكية وتجريد القلوب لخالقها) حدود صنعها الزمن وجذرتها الفهوم لما لم يقصد، وأبقاها التعصب عصية على إعادة الترسيم.
بقدر احتياج المسلمين للفقيه المفتي، والداعية الواعظ، والقارئ المجود، والمحدث الحافظ الصدوق، تشتد حاجتهم للشيخ العارف، والمربي الذائق، والمزكي المتجرد، والصوفي السني المستقيم…
هما أكاديميتان؛ إحداهما تعتمد العلم النظري، وتقدمه تلقينا مع الشرح والتوضيح والتهميش والتطرير، والأخرى تسلك المنهاج التطبيقي، فتسلط الرياضة على النفوس، وتستل سخائم القلوب، عبر التخفف من الدنيا، وتنمية التواضع؛ إصلاحا واستحضارا للنية، وإهانة للبدن، وردعا وصقلا للقلب بعلاجه من أمراض الرياء والعجب والحسد والاعتداد بالنسب والحسب حتى يتخلص من رعوناته وعوائقه، كما تتم المعاملة مع الذهب تماما…
هذان المنهجان لا معنى لتضادهما، ولا مسوغ للفصل بينهما بحدود ما تزال تجعل المسلمين فسطاطين..
وقد جرى خلاف فقهي بين علمائنا بأيهما يبدأ، وقد حاول الشيخ محمد العاقب بن ما يأبى مبكرا طرح فكرة التكامل بينهما عبر إظهار مقاميهما..
العلم نور وقلب الحبر مطلعه *** والقلب في الصدر مصباح بمشكاة
والورد للقلب مرآة ومصقلة *** وذم قلبٌ بلا صقل ومرآة
هذا التداخل البدني، حيث العلم في القلب، والقلب في الصدر، أو هما معا بالصدر، يلزم أن يصاحبه تصاقب في حياة الناس، وقد أدرك هذا المعنى كثير من العلماء؛ فجعلوا العلم أداة لترشيد التربية، واتخذوا التربية وسيلة لتجسيد العلم، فكان السلوك لهم معراجا يتم به التخلي ثم التحلي…
بتقارب الناس في هذا الفضاء، وتآخيها في هذه المنصات، وتجاورها الافتراضي، أصبح من السهل أن يعاد رسم خارطة هذه الحدود، والأولى أن تتم إزالتها عبر نقاش علمي هادئ يحفظ لذوي الهيآت؛ علما وتربية مقاماتهم، ويقتلع شبهات التضاد من نفوس الأتباع، سبيلا لرضوان الله سبحانه وتعالى، وهو المستعان على ذلك، وهو الذي يقول الحق وهو يهدي السبيل.









