في هذا المشهد، يبرز القاسم ولد بلال كـ “لاعب داهية” يستثمر في وهن خصومه؛ فبينما يغرق حزب الإنصاف في صراعات أجنحته التي كشفت عنها الزيارات الأخيرة، يقتنص القاسم هذا التشرذم لتعزيز قلاعه الشعبية، محولاً “ارتباك المركز” إلى وقود لتثبيت نفوذه المحلي، ومقدماً نفسه كبديل استراتيجي في وجه تمدد بيرام الكاسح.
أما بيرام، فإنه بترشحه للبلدية يسعى لتحويل تفوقه الرئاسي السابق إلى سلطة محلية نافذة، تضمن له قاعدة صلبة تؤمن تزكياته المستقبلية وتحرج السلطة في رئتها الاقتصادية. إنها مناورة كبرى لمحاصرة حزب الإنصاف الذي يصارع ظله لترميم تصدعاته في مدينة لا تعترف إلا بالأقوياء.
نواذيبو اليوم هي المسرح الكبير لصراع “البقاء والنفوذ”؛ حيث يتشابك طموح بيرام الرئاسي المستند لنتائجه السابقة مع دهاء القاسم المحلي، في معركة ستحدد ملامح الخارطة السياسية للبلاد بأكملها.
وتبقى نواذيبو.. شبه جزيرة تسبح فوق بحر من الثروات، وتغرق في بركة من الأزمات. إنها المدينة المفارقة؛ تمنح الوطن رئة اقتصادية ومليارات متدفقة من أعماق المحيط، وتستقبل في المقابل وعوداً سياسية موسمية تتبخر مع انتهاء كل استحقاق انتخابي، ليبقى المواطن وحيداً في مواجهة العطش الخانق، والانقطاعات المظلمة للكهرباء.
بين مطامح السياسة والواقع المرير، تاهت التنمية في دهاليز صراع الصلاحيات الإدارية بين المنطقة الحرة والبلدية، وغُيب الشباب عن عائدات صيدهم، لتكتم روائح المصانع أنفاس الساكنة. إن اختصار الحكاية يكمن في فجوة صارخة: ثروة هائلة تُصدّر نحو الخارج، وبنية تحتية متهالكة يعيشها الداخل، في انتظار إرادة حقيقية تحوّل الشعارات إلى كرامة مُعاشة.
#إن لم نبنها فمن سيبنيها لنا؟








