أخباراليوم. من الضروري، قبل الخوض في أي نقاش هوياتي أو لغوي، تصحيح توصيف الأزمة. فموريتانيا لا تعيش صراعًا «زِنجيًا–عربيًا»، ولا تعاني من تناقض لوني أو عرقي، بقدر ما تواجه نزعة قومية بولارية متشددة تحاول تقديم نفسها ناطقًا حصريًا باسم «الزنوج الأفارقة»، في حين أن هذا الادعاء لا يستند إلى تفويض اجتماعي ولا إلى معطى قانوني.
أقلية عددية ومطالب تتجاوز الوزن الواقعي
داخل موريتانيا، يشكّل الفلان أقلية ديموغرافية، بخلاف وضعهم في السنغال أو مالي أو غينيا كوناكري، حيث يحظون بامتداد عددي وثقافي أوسع. ورغم هذا المعطى، يرفع تيار قومي بولاري مطالب تتجاوز منطق التمثيل النسبي، وتسعى إلى إعادة تشكيل هوية الدولة ولغتها الرسمية ونظامها التعليمي.
الإشكال هنا لا يكمن في المطالبة بحقوق ثقافية، وهي حقوق مشروعة ومكفولة، بل في تحويل تلك المطالب إلى مشروع سياسي صدامي يتجاهل ميزان الأغلبية، ويتعامل مع الدولة وكأنها مجال قابل لإعادة التأسيس خارج الإرادة الجماعية.
الدستور الموريتاني: حسم لغوي وقانوني واضح
دستوريًا، لا يترك النص المؤسس للدولة مجالًا لهذا الجدل.
فـالدستور الموريتاني ينص صراحة على أن العربية هي اللغة الرسمية للدولة، ويُقِرّ في الوقت ذاته باللغات الوطنية الأخرى بوصفها مكوّنًا ثقافيًا يجب احترامه وحمايته. هذا التمييز ليس شكليًا، بل يعكس فلسفة قانونية واضحة:
لغة رسمية جامعة تُدار بها شؤون الدولة،
ولغات وطنية تُصان ثقافيًا دون أن تتحول إلى أدوات صراع سياسي.
المطالبة بجعل الفرنسية لغة رسمية أو لغة إدارة وتعليم لا تستند إلى أي أساس دستوري، بل تتعارض مع مبدأ سمو الدستور، ومع القاعدة القانونية المستقرة التي تمنع فرض أمر واقع لغوي خارج المساطر التشريعية والإجماع الوطني.
الفرنسية: مطلب غير موضوعي في زمن التحول العالمي
يزداد هذا المطلب ضعفًا حين يُقاس بالتحولات العالمية.
فالفرنسية نفسها لم تعد لغة العلم الأولى، لا في البحث العلمي ولا في التكنولوجيا ولا في الفضاء، حيث تهيمن الإنجليزية حتى داخل الجامعات والمؤسسات الفرنسية. فكيف يُطالَب بلد مسلم إفريقي نامٍ بتكريس لغة استعمارية لم تعد تؤدي وظيفة علمية مركزية؟
هنا يتأكد أن المسألة ليست تعليمية ولا معرفية، بل هي توظيف سياسي للغة باعتبارها أداة نفوذ ورأسمال رمزي، لا وسيلة تحديث أو انفتاح.
ادّعاء التمثيل: مصادرة لإرادة جماعية
الأخطر من ذلك هو حديث بعض النخب البولارية باسم السوننكي والولوف، في حين أن هاتين المجموعتين:
لا تطالبان بمن يمثلها سياسيًا من خارجها،
ولا تطرحان فرض لهجتهما كلغة تعليم أو إدارة،
ولا تنخرطان في خطاب إثني صدامي.
هذا السلوك لا يعكس وحدة «زنوجية» بقدر ما يكشف محاولة توسعة قاعدة مطلب أقلوي عبر الإلحاق القسري للآخرين، وهو ما يتناقض مع مبدأ الحرية الجماعية وحق كل مكوّن في التعبير عن ذاته دون وصاية.
من الحقوق الثقافية إلى خرق مبدأ الدولة
قانونيًا، تقوم الدولة الحديثة على:
وحدة السيادة،
حياد الإدارة،
والمساواة بين المواطنين أمام القانون.
وحين تتحول المطالب الثقافية إلى ضغط لإعادة تعريف هوية الدولة، فإننا نكون أمام خرق لمبدأ حياد الدولة، ومحاولة لإدخالها في صراع هوياتي لا يخدم إلا أقلية منظمة، على حساب السلم الأهلي والتعاقد الدستوري.
الخلاصة
موريتانيا ليست في حاجة إلى إعادة اختراع نفسها، ولا إلى استيراد صراعات ضفاف النهر أو إسقاط تجارب إقليمية عليها. هي دولة متعددة، نعم، لكنها محكومة بدستور واضح، وبأغلبية اختارت لغة جامعة وهوية وطنية مشتركة.
المسؤولية هنا لا تقع على الأفراد ولا على المكوّنات الاجتماعية، بل على الدولة حين تتأخر في فرض احترام الدستور، وتسمح بتحويل الاختلاف الثقافي إلى مشروع سياسي فوق وطني.
فالدولة التي تتهاون في حماية مرجعيتها الدستورية، تفتح الباب لا للمساواة، بل للفوضى المقنّعة بشعارات الحقوق.
