أخبار اليوم.  ليست أزمة الشباب مع السياسة أزمة عزوف، بل أزمة انخراط أعمى؛ وليست مأساة السياسة في مجتمعاتنا غياب الفاعلين، بل غياب الفهم. فنحن نعيش داخل ممارسة سياسية أبدية، تتكرر بلا ذاكرة، وتتحرك بلا نظرية، وتُدار بلا فكر، حتى صار الفعل السياسي عادة اجتماعية لا مشروعًا تاريخيًا، وصار الانخراط الحزبي مسارًا اجتماعيًا لا موقفًا أخلاقيًا ولا رؤية فكرية. في هذا السياق يطفو السؤال القديم في صيغة أكثر قسوة: هل السيادة لطاقة الشباب أم لخبرة الشيوخ؟ غير أن السؤال، في واقعنا، يبدو مخاتلًا؛ لأننا لا نملك طاقةً مفكِّرة ولا خبرةً حكيمة، بل طاقةً تُستعمل وخبرةً تُبرِّر.

يدخل الشباب السياسة من باب الأحزاب، لا بوصفها مدارس للفكر السياسي، بل بوصفها قنوات للترقي أو للانتقام الرمزي. شباب الموالاة المنحدرون من الطبقة الحاكمة والبرجوازية المالية لا يدخلون السياسة بدافع السؤال عن العدالة أو الدولة أو المعنى العام، بل بدافع الاستمرار؛ استمرار الامتياز في صورة حداثية، واستمرار السلطة في جسد شاب. السياسة هنا ليست فعلًا عامًا، بل ميراثًا اجتماعيًا، تُنقَل فيه المواقع كما تُنقَل الأسماء، ويُتَعلَّم فيه الولاء قبل أن يُتَعلَّم التفكير. هؤلاء لا يحتاجون إلى رؤية لأن موقعهم يسبق وعيهم، ولا يحتاجون إلى نقد لأن الدولة، في مخيالهم، ليست مشكلة بل ملكية رمزية يجب حمايتها.

في الجهة المقابلة، يظهر شباب عامة الشعب، القادمون من القاع الاجتماعي، حاملين غضبهم أكثر مما يحملون فهمهم، ومشحونين برغبة النيل ممّن يرونهم سبب تراجعهم وحائلًا دون تطور البلد. يدخلون السياسة وهم يظنون أنهم يدخلون معركة أخلاقية، لكنهم في الغالب يدخلون صراع مواقع. يرفعون شعارات الإصلاح لا لأنهم امتلكوا شروطه، بل لأنهم اختبروا مرارة الإقصاء. غير أن المأساة تتجلى حين يتحول هذا الغضب، بعد أول احتكاك بالسلطة أو أول امتياز، إلى تكيّف كامل؛ فيصير الثائر مواليًا، لا لأن الواقع تغيّر، بل لأن موقعه تغيّر. وهكذا تُستبدَل رسالة الإصلاح التي نادوا بها يوم كانوا في الحضيض، بخطاب تبرير جديد، أشد قسوة أحيانًا من خطاب من سبقوهم، لأن الموالي الجديد يدافع عن النظام دفاع من يخشى السقوط أكثر مما يدافع دفاع من يثق بشرعية ما يفعل.

هنا تتكشف حقيقة مُرّة: نحن لا نعيش صراع أفكار، بل دوران أدوار. تتغير الوجوه وتبقى البنية، يتبدل الخطاب وتبقى الممارسة، ويُعاد إنتاج الخطأ ذاته بأسماء جديدة. لسنا أمام سيادة طاقة أو خبرة، بل أمام سيادة الموقع؛ من يصل يدافع، ومن يُقصى يعارض، إلى أن يصل. السياسة عندنا لا تُفهم بوصفها علمًا له تاريخ ومناهج، ولا بوصفها أخلاقًا عمومية، بل بوصفها فرصة. ولهذا لا نتعلم من أخطائنا، لأن الخطأ لا يُفهم أصلًا بوصفه خطأ، بل بوصفه مرحلة لم نكن نحن المستفيدين منها.

نحن لا نمتلك نخبة سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة؛ لا تلك التي تنتج الأفكار، ولا تلك التي تقرأ التاريخ، ولا تلك التي تربط السياسة بعلوم الحياة: بعلم الاجتماع الذي يشرح البنى، وبعلم النفس السياسي الذي يفسر السلوك، وبالاقتصاد السياسي الذي يكشف المصالح، وبفلسفة التاريخ التي تضع الفعل في سياقه الطويل. نحن نمارس السياسة ونحن نجهل الإنسان، ونخوض الصراع العام ونحن لا نفهم المجتمع، ونرفع شعارات الدولة ونحن لا نعرف معنى الدولة. وإن وُجد من يمتلك القدرة على التحليل، فقد جرى احتكار صوته، أو ترويض فكره، أو إغراقه في وظيفة تقتات من قربه من السلطة. العقل، حين يُؤمَّم، يفقد حريته؛ وحين يفقد حريته، يفقد قيمته. فيتحول المحلل إلى مبرر، والمثقف إلى موظف، والفكر إلى ديكور لغوي.

إن أخطر ما نعيشه ليس غياب المحلل السياسي، بل غياب استقلال التحليل. فالصوت الذي لا يستطيع أن يقول “لا” لا يستطيع أن يقول “الحقيقة”. وهكذا نعيش فراغًا فكريًا تُملؤه الشعارات، وضجيجًا سياسيًا بلا معنى، وممارسةً بلا نظرية. نكرر المسارات ذاتها لأننا لا نقرأ تاريخ الفكر السياسي، ولا نفهم كيف تشكلت الدول، ولا لماذا فشلت تجارب ونجحت أخرى. نتصرف كما لو أن التاريخ يبدأ بنا وينتهي عندنا، وكأننا أول من يحكم وأول من يعارض.

أما السيادة الحقيقية، فليست للطاقة حين تكون عمياء، ولا للخبرة حين تكون متكلسة، بل للعقل حين يكون حرًا، وللوعي حين يكون تاريخيًا، وللشباب حين يتعلمون قبل أن يحكموا، وللخبرة حين تتواضع وتراجع نفسها. من دون ذلك، سيظل شباب اليوم مواليي الغد، وسيظل خطاب الإصلاح مجرد لغة عبور نحو الامتياز، وستبقى السياسة عندنا ممارسة أبدية بلا تراكم، وحركة بلا تقدم، وصراعًا بلا معنى.

رأيي، بلا مواربة، أننا لا نحتاج مزيدًا من الحماس، بل مزيدًا من الفهم؛ لا مزيدًا من الوجوه الشابة، بل وجوهًا تفكر؛ لا مزيدًا من الأحزاب، بل مدارس سياسية حقيقية. ما لم نكسر هذه الحلقة، ستظل السيادة مؤجلة، لا لأن الشباب غير قادرين، ولا لأن الخبرة فاسدة بالضرورة، بل لأننا لم نقرر بعد أن نفهم قبل أن نمارس، وأن نتعلم قبل أن نحكم، وأن نجعل السياسة شأنًا فكريًا أخلاقيًا، لا مجرد لعبة مواقع