اللغة، الاستعمار، والهوية: كيف صُنِعت سردية الصراع العرقي في موريتانيا؟

author
0 minutes, 0 seconds Read

 

أخبار اليوم.   لم يكن الصراع حول الهوية في موريتانيا، في جوهره، صراعًا عرقيًا بين “عرب” و“زنوج” كما يُقدَّم اليوم في كثير من السرديات التبسيطية، بل كان – ولا يزال – صراعًا سياسيًا وثقافيًا حول اللغة، والذاكرة، والتموضع داخل أو خارج الإرث الاستعماري. غير أن هذا الصراع، بفعل سوء الإدارة، وتوظيف النخب، وانحراف الخطاب، جرى اختزاله عمدًا في ثنائية عرقية قاتلة، دفعت بالبلد إلى حافة التمزق.

القومية العربية: سياق النشأة لا منطق الإدانة

نشأت القومية العربية، في صيغتيها الناصرية والبعثية، في سياق تاريخي محدد: تفكك الدولة العثمانية، وتقسيم المجال العربي، وهيمنة الاستعمار الأوروبي المباشر. لم تكن مشروع تفوق عرقي، ولا أيديولوجيا إقصاء، بل محاولة لبناء وعي جمعي قادر على مقاومة التبعية، واستعادة السيادة، وتوحيد المجال السياسي والثقافي الممزق.

الناصرية، على وجه الخصوص، لم تنظر إلى إفريقيا بوصفها نقيضًا للعروبة، بل باعتبارها عمقًا استراتيجيًا. جمال عبد الناصر كان من أكثر القادة العرب وعيًا بأن معركة العرب ليست ضد الإفريقي، بل ضد منظومة الهيمنة الغربية التي أخضعت شعوب الجنوب، عربًا وأفارقة وآسيويين، عبر الاستعمار والتقسيم والاستغلال.

والمثقف العربي الاستراتيجي يدرك أن الصراع التاريخي لم يكن يومًا بين جنوب المتوسط وشماله على أساس إثني، بل كان صراعًا حضاريًا وسياسيًا بين مركز مهيمن وأطراف مُستَغَلّة.

من معركة اللغة إلى فتنة الهوية

في موريتانيا، تَمثّل هذا الصراع أساسًا في سؤال اللغة:
هل تكون لغة الدولة الوطنية امتدادًا للفضاء الثقافي المحلي والتاريخي، أم تظل لغة المستعمر هي الأداة المهيمنة في الإدارة والتعليم والرمزية السياسية؟

هنا تحديدًا بدأ الالتباس. فبدل أن يُدار النقاش بوصفه نقاشًا سياسيًا مشروعًا حول الاستقلال الثقافي، جرى تحميله شحنة إثنية. تحوّل الدفاع عن التعريب، في نظر خصومه، إلى عداء للزنوج، بينما تحوّل الدفاع عن الفرنسية، في نظر أنصاره، إلى دفاع عن “الحقوق الثقافية”، رغم أن الفرنسية لم تكن لغة وطنية، بل أداة هيمنة استعمارية.

جزء من النخب الزنجية – وليس القواعد الشعبية – اصطف موضوعيًا مع هذا الإرث الاستعماري، معتبرًا الفرنسية ضمانة سياسية في مواجهة الأغلبية، لا مجرد وسيلة تواصل. وهنا بدأ الانزلاق الخطير: من صراع لغوي سياسي إلى استقطاب عرقي حاد.

البعثيون والناصريون في موريتانيا: الفكرة والممارسة

من الخطأ التاريخي اختزال تجربة البعثيين والناصريين الموريتانيين في صورة واحدة سوداء. كثير منهم لم يناضل ضد المكونات الإفريقية، بل ضد استمرار التبعية الثقافية والسياسية للمستعمر السابق، وسعى – بصواب أو بخطأ – إلى تثبيت هوية وطنية جامعة.

غير أن هذا لا يعفيهم من المسؤولية حين تحالف بعضهم مع أنظمة استبدادية، أو حين صمتوا عن تجاوزات خطيرة، أو حين انخرطوا في منطق أمني اختزل الدولة في القوة. هنا لم تكن المشكلة في الفكرة القومية، بل في انحرافها السلطوي.

وحين شهد البلد محاولات انقلابية أو اصطفافات ذات طابع إثني صريح، فإن وقوف القوميين مع النظام فُسّر لديهم بوصفه دفاعًا عن وحدة الدولة، لكنه في الواقع ساهم في تعميق الجراح، وكرّس سردية الصراع العرقي بدل تفكيكها.

المشترك الذي جرى تجاهله

المفارقة الكبرى أن المكونات الموريتانية – عربًا وزنوجًا – تشترك في:

الدين

التاريخ

المجال الجغرافي

وتجربة الاستعمار نفسها

السوننكي، والفلان، والولف، ليسوا “غرباء” عن هذا الفضاء، كما أن العروبة الموريتانية لم تكن يومًا نقاءً عرقيًا، بل نتاج تداخل تاريخي وثقافي طويل. لكن تغليب خطاب الضحية من جهة، وخطاب الهوية المغلقة من جهة أخرى، طمس هذا المشترك، وفتح الباب أمام توظيف خارجي وانقسامات داخلية.

الخلاصة: لا تحصين بلا عدل

إن اختزال تاريخ موريتانيا في سردية صراع عرقي هو أكبر خدمة تُقدَّم للقوى التي لا تريد لهذا البلد أن يستقر أو يتماسك.
والقومية العربية، كغيرها من الأفكار الكبرى، لا تُدان في ذاتها، بل تُدان حين تتحول إلى أداة إقصاء أو غطاء للاستبداد.

تحصين موريتانيا لا يكون بإعادة إنتاج خطاب التخوين، ولا باستدعاء أشباح الماضي، بل بقراءة نقدية شجاعة للتاريخ، تفصل بين الفكرة والانحراف، وبين الهوية والاستغلال السياسي لها.

#حصنوها_بالعدل
فالعدل وحده هو القادر على تفكيك سردية الصراع، وبناء دولة تتسع لجميع أبنائها.

Similar Posts