أخبار اليوم. ليست اللغة في الدول الحديثة مجرد أداة تواصل، بل هي رمز سيادة وهوية سياسية. وحين تفشل الدولة في حسم مرجعيتها الرمزية، تتحول اللغة من جسر تواصل إلى ساحة صراع مفتوح. هذا ما تعيشه موريتانيا منذ الاستقلال، حيث ظل سؤال اللغة والهوية معلقًا، يُستدعى كلما احتدم التنافس السياسي.
ظاهريًا، يبدو النقاش متعلقًا بترسيم لهجات وطنية متعددة مقابل العربية، أو بالإبقاء على الفرنسية كلغة إدارة. غير أن التفكيك الهادئ يكشف أن المسألة ليست لغوية في جوهرها، بل سياسية بامتياز. فاللغة هنا تُستعمل أداة تفاوض على النفوذ والتمثيل، لا تعبيرًا ثقافيًا بريئًا.
اللافت أن المجموعات اللغوية نفسها الموجودة في موريتانيا توجد بكثافة أكبر في السنغال ومالي وغينيا، دون أن تطالب هناك بترسيم لغاتها كلغات دولة. والسبب أن تلك الدول حسمت مبكرًا هويتها السياسية، واعتمدت لغة المستعمر كلغة إدارة دون فتح نقاش رمزي عميق. أما موريتانيا، فقد تأسست على تقاطع العروبة والإسلام والانتماء الإفريقي، دون عقد وطني جامع يحدد موقع كل عنصر، فظل سؤال الهوية مفتوحًا، وتحول إلى مصدر توتر دائم.
في هذا السياق، لا يُفهم التمسك بالفرنسية بوصفه حنينًا إلى المستعمر، بل باعتبارها لغة “محايدة” سياسيًا، لا تُحسب على مكون بعينه، وتُستعمل لكبح ما يُنظر إليه كهيمنة رمزية للعربية. فالعربية في موريتانيا ليست مجرد لغة، بل عنوان سيادة تاريخية ورمز دولة، ولهذا تُستهدف بوصفها رمزًا لا وسيلة.
وتكشف المقارنات الدولية عمق هذا الإشكال. ففي لبنان، اللغة واحدة، لكن الطوائف تحولت إلى “لغات سياسية” متصارعة، فغابت الهوية الجامعة، وتعطلت الدولة. وفي الجزائر، حُسم الخيار اللغوي بعد الاستقلال بوصفه قرارًا سياديًا، ثم جرى تصحيحه لاحقًا بالاعتراف بالأمازيغية ضمن إطار الدولة. أما رواندا، فاختارت بعد مأساة الإبادة الجماعية تجفيف منابع الصراع الهوياتي، ومنعت توظيف الانتماءات العرقية سياسيًا، مفضلة بناء دولة ما بعد الهوية.
مشكلة موريتانيا ليست في التعدد الثقافي، بل في إدارة هذا التعدد دون مركز رمزي واضح. ففتح الأسئلة الكبرى دون حسم، وتحويل الذاكرة إلى أداة ضغط سياسي دائم، يُبقي المجتمع رهينة الشك والانقسام.
إن بناء الدولة لا يقوم على من جاء أولًا، ولا على سرديات المظلومية المتبادلة، بل على عقد مواطنة متساوية وهوية رمزية جامعة. واللغة، حين لا تُحسم بوصفها لغة السيادة، تتحول من عامل وحدة إلى أداة صراع.
فالدول لا تنهار بسبب اختلاف لغاتها، بل بسبب عجزها عن الاتفاق على لغة واحدة للدولة، تحتضن التعدد ولا تسمح بتحويله إلى سلاح.
