الوقاية أولا.. يا وزارة الصحة /الشيخ البال

author
0 minutes, 6 seconds Read

أخبار اليوم. من المعروف في أبجديّات التداوي أن العلاجات وحدها لا تكفي لصد وباء أو مرض ما، إن لم تتم مسايرتها باستراتيجيات عملية وجدية من أجل الوقاية من هذه الأمراض والأوبئة ومعرفة أسبابها، وهو الشيء الذي ما زال غائبا لدى وزارتنا المحترمة – وزارة الصحة – فما زالت حملات التحسيس قليلة جدا وخجولة للغاية وتقتصر على إرسال مهنيين من القطاع إلى الداخل لتثقيف الساكنة حول أهمية غسل اليدين بالصابون قبل الأكل وبعد الخروج من الحمام، وأهمية الرضاعة الحصرية خلال الأشهر الستة الأولى بعد الولادة، والنوم تحت الناموسية المشبعة، وبمواكبة هذه الحملات بطواقم صحفية للتغطية الإعلامية، حتى يأخذ الحدث -الخجول طبعا – زخما إعلاميا من خلال نشر صور وبعض المقابلات مع بعض المستفيدين من التحسيس، طبعا العمل الميداني وجمع الساكنة يتم من خلال التعاون مع منظمات المجتمع المدني المحلية.

 

لا يمكن أن ننكر أن هذه الحملات التحسيسية مهمة جدا، ولكن ما إن نغوص في تفاصيلها حتى ندرك بأن “العيطة اكبيرة والميت فار” أي أن نتيجتها لا تعكس الجهد الذي بُذل فيها من تأجير سيارات وتعويضات مالية للمُحسسين والمنظمات إلى غير ذلك من الهدر والتكلّف.

 

وسنورد أمثلة على ذاك:

– على سبيل المثال فيما يخص التحسيس حول ضرورة النوم تحت الناموسية (الغبة) المشبعة، تقوم البعثة بتقسيم ناموسيات مشبعة على المستفيدين من التحسيس، وفي أغلب الأحيان يكون عدد الناموسيات قليل جدا، حتى إنني أذكر مرة قاموا بتقسيم ثلاث ناموسيات على الحضور، أنا لا أقصد بهذا أن عليهم تعميم الناموسيات على الساكنة فذلك ضرب من الخيال، ولكنهم يدركون بأن المواطن يعاني الفقر وصعوبة الحياة، وبالكاد يضمن عيشا لأبنائه – وليس عيشا كريما إلذاك – فكيف به يشتري ناموسيات تحميه وباقي أفراد أسرته عض الناموس؟

 

– المثال الثاني هو عن أهمية غسل اليدين بالماء والصابون، ومن المفارقة أنهم يأتون إلى قرية تعاني شح المياه فيحدثونها عن غسل اليدين وبالصابون أيضا، وهم بالكاد يجلبون ما يروي ظمأهم على رؤوسهم تارة، وتارة على ظهور حميرهم، فبالنسبة لهم غسل اليدين وبالصابون هو نوع من الترف والفساد، فالأولى تقديم حلول لهم، إما عن طريق جلب مصدر للمياه الصالحة للشرب أو إقناعهم بأن يندمجوا مع أقرب قرية لهم بها مياه صالحة للشرب، طبعا هذا يتطلب تدخل وزارات أخرى، ولكنه يشكل حلا لهم، بعدها حدثوهم عن غسل اليدين وعن الصابون أيضا.

 

– المثال الثالث هو غياب التحسيس حول أسباب انتشار وتزايد مرض السرطان، فالتحسيس حول هذا المرض الفتاك ما زال هو الآخر خجولا، ويقتصر على ضرورة الكشف المبكر عن سرطان الثدي، رغم أن خطورة السرطانات الأخرى وأهمية التحسيس بها كسرطان عنق الرحم، ولبروستات والمريء والجلد والقولون تتطلب دمجها في هذه الحملات التحسيسية أيضا.

 

وربما يكون السبب في ذلك هو غياب إرادة جادة من طرف الوزارة المعنية تفضي إلى القيام بدراسة شاملة تشمل جميع المرضى الذين تعالجوا والذين ما زالوا يتعالجون لدى المركز الوطني للأنكلوجيا، وذلك عن طريق الرجوع إلى سجل المرضى وتحليل بياناتهم – العمر – مكان الإقامة – الجنس – طبيعة النشاط – النمط المعيشي – المسلكيات.. الخ.. وهي البيانات التي ستمكن الطواقم العاملة في المجال من الحصول على تصور عن أسباب وأماكن انتشار هذا المرض العضال، وعلى ضوء ذلك التصور تقوم الوزارة المعنية ممثلة في خلية التثقيف الصحي بالقيام بحملات تحسيسية حول كل ما من شأنه أن يكون سببا مباشرا أو غير مباشر في هذا المرض، فكل مريض زيادة يشكل عبئا اقتصاديا ينضاف إلى العبء النفسي على ذويه وعلى الدولة أيضا، ولا يمكن إيقاف زحف هذا المرض من خلال توسيع مركز الأنكلوجيا أو بناء مركز آخر للتكفل بالمرضى حتى وإن كان صادرا عن جهة خيرية لا تسعى للربح ولا تكلف المريض إلا م هو رمزي، فلن يتوقف الزحف فستمتلئ مراكز التكفل جميعها ما دام مصدر الخلل لم تتم معالجته.

 

هذه أمثلة فقط لبعض الأنشطة التي تقوم بها وزارتنا المحترمة سعيا منها للحد من انتشار بعض الأمراض، ولا شك أن القارئ ستحصل لديه الصورة الكاملة لحقيقة هذه الحملات والتي تنم عن غياب إرادة جادة وتصور واضح واستراتيجيات مبنية على دراسات من القيّمين على هذه الحملات، فتكون المحصلة من هذه الحملات هي استنزاف جزء من ميزانية الوزارة في اللوجستيك والتعويضات المالية للقيّمين عليها.

 

فمتى ستستفيق الوزارة وتقف عند مسؤولياتها وتؤدي دورها النبيل المنوط بيها؟ ومتى يقذف اليمّ تابوت هذا الضياع؟

 

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *