وكالة أخبار اليوم حزب “إنصاف” ليس حزبا بالمعنى الحديث للكلمة. إنه باختصار عبارة عن شبكة من النخب التقليدية والحديثة تقوم على المصالح، لفائدة من يمارس السلطة. فهو عبارة عن أداة طيعة لحشد الدعم لمن يمسك بالحكم، حيث يتغير اسمه مع تغير الأنظمة. طالما أن هناك من يتربع على كرسي الرئاسة، فيستمتع بالدعم المطلق من طرف الحزب، خاصة إذا كان مدعوما من المؤسسة العسكرية ورجال الأعمال، وبمجرد أن يفقد السلطة تبيعه النخب بثمن بخس، لتتكرر نفس التجربة ويحدث له ما حدث لسلفه. عندئذ سيفهم متأخرا أن هذا الحزب لا يمكن التعويل عليه، وأنه كان أحرى به أن يستثمر في كسب ثقة الشعب، وبناء دولة القانون والمؤسسات التي تضمن الحريات وتحصن الحقوق.
حزب “إنصاف” لا يملك رؤية سياسية ولا خطة تنموية للبلاد، ولا مشروعا سياسيا، لأنه بكل بساطة ليست لديه نية للإصلاح. لذلك فهو لا يبحث عن ثقة الشعب وتلبية مطالبه عبر الاستجابة لانتظارات وتطلعات المواطنين…وإنما تختصر مهمته على التعبئة وحشد الدعم للنظام، وتوزيع الامتيازات والوظائف على النخب، وتسيير التوازنات الاجتماعية، حسب قواعد المحاصصة القبلية والجهوية. باختصار، هو عبارة عن “طبل” للنظام الحاكم، يطبل لإنجازات الرئيس إن وجدت، كما يطبل للنوايا، ويقوم بتفسير مضامين الخطابات الرئاسية، إذا كانت الإنجازات معدومة أو ضعيفة. فهو في هذا لا يختلف عن الإتحاد من أجل الجمهورية، ولا حزب عادل، ولا الحزب الجمهوري، ولا هياكل تهذيب الجماهير، ولا حزب الشعب من قبله. هذه التشكيلات السياسية كانت كلها تسعى إلى كسب ولاء الوجهاء وممثلي الشرائح، بدل إرضاء الشعب والنهوض بالبلد. لذلك، فلقد فشلت طيلة العقود المنصرمة، فلا المؤشرات الاقتصادية تحسنت
ولا الديمقراطية ترسخت، ولا التنمية تقدمت، ولا المشاكل المستعصية حُلت، ولا العدالة الاجتماعية تحققت. فقط الواجهة والتسميات تغيرت، لكن القيادات والنهج لم يتغيروا. فبعد أكثر من ستة عقود من الاستقلال، لا تزال التحديات الاجتماعية والاقتصادية تراوح مكانها. ولا زلنا نرزح تحت وطأة الفقر والحرمان. ما زلنا ننتظر الحصول على أساسيات الحياة من ماء وكهرباء. ما يتم عادة هو مجرد استنساخ الحزب في تشكيلة جديدة تهيمن على الحياة السياسية في البلاد. إلا أن الأخطر هو أن مثل هذه الممارسات ترسخ الزبونية والمحاصصة والانتماء إلى القبيلة والجهة، بدل أن تساهم في توسيع الوعي العام، وتأطير الشارع، وتقوية مؤسسات الدولة، واحترام القانون، وتكريس العدالة، وترسيخ الثقافة الديمقراطية والتناوب السلمي.
طالما أن هذا الحزب بتجلياته الماضية وبصيغته الحالية لم يقم بمراجعة شاملة لأسسه ولمنهجية عمله، وطالما لم يتم استئصال ومساءلة النخب التي أنتجت هذا النهج، وإبعاد رموز الحقب الماضية التي تحوم حولها شبهات الفساد، وكذلك النخب التي أثبتت فشلها في الاستجابة لتطلعات المواطنين الملحة، لا يمكن أن نتحدث عن التغيير، ولا عن قطيعة مع الفساد، لأنه ليس هناك أمل أن ينتج هذا الحزب شيئا مختلفا، بغض النظر عن نية الرئيس أو الأقلية المهمشة داخل الحزب التي تطمح للإصلاح. فالخلل ليس في النية، وإنما في النخب الفاسدة المكلفة بتنفيذ السياسات وتسيير الموارد العمومية، والتي هي في قطيعة مع الشعب وتطلعاته.
إن طريق الاصلاح يمر بتأسيس نخب بديلة، ليس فقط عبر وجوه جديدة، وإنما اعتماد أفكار وقيم مبنية على خدمة المواطن، لأنه ما لم تتغير العقليات المسيطرة على ثقافة الحزب، لا أمل في التغيير، خاصة في ظل الإحباط العميق والتذمر الواسع، الذي وصل حد المغاضبة داخل الحزب، والرفض الجماعي من طرف الشباب، الذي يشكل الأغلبية الساحقة في البلد، والنقمة الكبيرة لدى بقية الشعب ضد النخب الحاكمة، التي لا تجيد سوى الاستماتة في الولاء للنظام، مثيرة بذلك مزيدا من النفور والكراهية لدى الموريتانيين. فمثل هذه النخب لا تبني دولة ولا وطنا، واستمرار تواجدها في مراكز القرار قد يفاقم حالة
اليأس والقنوط، مما سيعصف حتما باستقرار البلد.
محمد المنير
دكتور في العلوم السياسية