وكالة أخبار اليوم سارعت بعض التشكيلات والأحزاب المعارضة إلى رفض الوثيقة المقترحة من حزبي اتحاد قوى التقدم والتكتل، وكان من أهم أسباب الرفض أن الوثيقة جاءت لخدمة النظام القائم، وأن الحزبين اللذين تقدما بها لا يمثلان المعارضة الموريتانية، خاصة بعد أن فشلا في الحصول على أي تمثيل في البرلمان الموريتاني في الانتخابات الأخيرة.
لا يمكننا أن ننفي وجاهة بعض الأسباب التي تقدم بها بعض المعارضين، ويمكن أن نضيف لها أخطاءً أخرى ظهرت في صياغة الوثيقة، فمن الواضح من ترتيب المحاور السبعة عشر في ملحق الاتفاق السياسي، أن الحزبين اللذين تقدما بالمقترح يعانيان من خلل كبير في ترتيب المشاكل والتحديات التي تواجهها موريتانيا اليوم. يمكن القول في هذا الإطار إنهما رتبا المشاكل والتحديات في الوثيقة وفق رؤيتهم لترتيب المشاكل والتحديات التي كانت تواجهها موريتانيا في عقد التسعينيات من القرن الماضي.
لقد بدأت المحاور في الملحق السياسي للوثيقة بضرورة إصلاح النظام الانتخابي، وقد يكون ذلك طبيعيا في وثيقة تمت صياغتها من طرف أحزاب سياسية، ويتأكد الأمر أكثر إذا كانت تلك الأحزاب لم تحظ بنتائج معتبرة في الانتخابات الأخيرة، ثم جاء المحور الثاني الذي تم تخصيصه لملفات حقوق الإنسان والمظالم العالقة (الإرث الإنساني). لو كنا نعيش الآن في ظل حكم الرئيس معاوية، لكان من المقبول أن يخصص المحور الثاني في هذه الوثيقة لذلك الملف.
المحور الثالث تم تخصيصه للغات الوطنية، والاعتراف بأنها قابلة لأن تكون لغات رسمية، ويبدو أنه قد فات من تولى ترتيب المحاور في الوثيقة أن مشاورات إصلاح التعليم قد أوصت بتدريس اللغات الوطنية، وأن الجمعية الوطنية أصبحت توفر الترجمة من وإلى كل اللغات الوطنية، وأنها تتيح لكل المواطنين من خلال قناة البرلمانية الاستماع لكل ما يجري في البرلمان من نقاشات بلغاتهم الأم، ولكن المشكلة المطروحة الآن هي أن بعض النواب الناطقين باللغات الوطنية يرفضون استخدام لغاتهم الأم ويصرون على التحدث بلغة أجنبية داخل البرلمان.
لم تتحدث الوثيقة، ولو بكلمة واحدة، عن اللغة العربية (اللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية)، ولا عن ما تتعرض له هذه اللغة من مضايقة في الإدارة والتعليم من خلال لغة أجنبية تتراجع مكانتها عالميا، وبدأ جيراننا في بعض الدول الإفريقية السوداء يفكرون في التخلي عنها، وإبدالها بأي لغة أخرى قد تصادفهم على قارعة الطريق. في الحقيقة كان تجاهل الوثيقة للغة الرسمية للبلد صادما ومستفزا، ولكن مثل ذلك لم يكن مستغربا من معارضة عرفناها منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي وحتى اليوم تنتقد الأنظمة المتعاقبة على كل كبيرة وصغيرة، ولا تستثني من انتقادها للأنظمة إلا تقصير تلك الأنظمة في تفعيل المادة السادسة من الدستور الموريتاني.