أخبار اليوم. طالعتُ ـ باهتمام بالغ ـ ما نُشِر يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، على صفحة الوزارة الأولى في الفيسبوك، بخصوص اجتماع اللجنة الوزارية المكلفة بالتحضير للمرحلتين التاليتين من برنامج تنمية مدينة نواكشوط، والبرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الأساسية للتنمية المحلية. وقد استوقفني فيما نُشر عن الاجتماع المذكور، حرصكم الشديد على استخلاص الدروس، وتقييم التحديات والصعوبات التي واجهت تنفيذ المرحلة الأولى، والعمل على معالجتها وتجاوزها، بما يضمن تحسين الأداء، والرفع من فعالية التدخلات في المرحلة الثانية.
وتابعتُ بعد ذلك ما نُشِر عن اللقاءات التشاورية التي أجرتها البعثات الوزارية مع المواطنين في الولايات الداخلية، في إطار التحضير لإطلاق المرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الأساسية للتنمية المحلية.
وتابعتُ أيضا الاجتماع الذي عقدتموه مع رؤساء وممثلي أحزاب الأغلبية ورؤساء فرقها البرلمانية، تحضيرا للإعلان عن السياسة العامة للحكومة أمام البرلمان.
معالي الوزير الأول،
إن هذا التحضير الجيد، وما صاحبه من حرصكم المعلن عن أهمية استخلاص الدروس والعبر من المرحلة الأولى من برنامج تنمية نواكشوط والبرنامج الاستعجالي في الداخل، هو الذي دفعني اليوم لأن أتقدم إليكم من جديد بمقترح كنتُ قدمته لكم خلال السنة الماضية، بعد إعلانكم في البرلمان يوم 4 سبتمبر 2024، عن السياسة العامة للحكومة.
لقد حاولنا في السنة الماضية أن نؤسس لرقابة مجتمعية على الأداء الحكومي، من خلال إطلاق منصة لمتابعة 304 من الالتزامات الواردة في إعلان السياسة العامة للحكومة للعام 2025، ولكننا لم نتمكن من إطلاق تلك المنصة، نظرا لغياب المعلومات الكافية، ولعدم وجود أي تعاون من طرف القطاعات الحكومية المعنية بتنفيذ تلك الالتزامات.
كنا نخطط لإطلاق منصة تتضمن الالتزامات الـ 304 التي تعهدتهم بها في العام 2025، على ان تُصنف تلك الالتزامات جغرافيا حسب الولايات، ثم قطاعيا حسب الوزارات، وفي نهاية العام وبعد اكتمال مسار رقابي مستقل، ينتهي بزيارات ميدانية إلى مواقع المشاريع المنفذة، يتم وضع نقاط بلون أزرق على الالتزامات التي نُفذت بشكل كامل، ونقاط صفراء على الالتزامات التي نُفذت بشكل جزئي، ونقاط حمراء على الالتزامات المتعثرة، ونقاط رمادية على الالتزامات التي لم تتوفر عنها معلومات كافية للقائمين على المنصة.
وبذلك يصبح بإمكان المواطن، أينما كان، ومن خلال نظرة سريعة، معرفة عدد الالتزامات التي نفذت في ولايته، بل وفي مدينته، وعدد تلك التي تعثرت، ليس هذا فقط، بل سيكون بإمكانه معرفة الإنجازات على مستوى كل قطاع حكومي على حدة، وبذلك يتم التمييز المنصف بين أداء القطاعات المختلفة، فلا يحسب تعثر قطاع معين على الحكومة بكاملها، وتبرز في المقابل الجهود الفردية لكل وزير على حدة، لإظهار القطاعات التي تميز وزراؤها.
معالي الوزير الأول،
لقد حدثتكم بعد تعهدكم بتلك الالتزامات خلال السنة الماضية عن المنصة وعن أهميتها، وعن “صالون المدونين” الذي أطلقنا منه موسما جديدا في تلك الفترة، ولقد وعدتموني حينها بأن تكونوا ضيفا على حلقة خاصة من حلقاته ستنظم بمناسبة اكتمال العام الأول من المأمورية الثانية لفخامة رئيس الجمهورية، لتقييم الأداء الحكومي. بل أكثر من ذلك فقد اقترحتم أن توفر الحكومة كل الوسائل اللازمة لتنظيم زيارات ميدانية للمشاريع المنفذة يشارك فيها عدد من ضيوف حلقات الصالون من معارضين وموالين، وذلك لكي يطلعوا بأنفسهم على مستوى الإنجازات، وليكون بمقدورهم تقييمها ميدانيا وبشكل موضوعي.
للأسف الشديد، لقد اضطررنا إلى تعليق أنشطة الصالون، ولم نتمكن كمنظمات فاعلة في المجتمع المدني من إطلاق منصة 304 لتقييم الأداء الحكومي، ولكننا في المقابل طالعنا في بعض المنصات الإعلامية أن الحكومة تتجه إلى إطلاق منصة خاصة بها، تحمل اسم “إنجاز”، وأن هذه المنصة ستوفر للمواطنين المعلومات المتعلقة بالمشاريع والبرامج الحكومية، وستمكنهم من متابعة مستوى التقدم في إنجازها.
معالي الوزير الأول،
لا يمكن التقليل من منصة إنجاز التي ذكرت بعض المنصات الإعلامية أن الحكومة تفكر في إطلاقها، ولكن في المقابل، فإن هذه المنصة لا يمكن أن تشكل بديلا للمنصة التي كنا نفكر في إطلاقها، من أجل خلق رقابة مواطنية على الأداء الحكومي، تشرف عليها منظمات فاعلة في المجتمع المدني.
إننا في المجتمع المدني نؤمن بأن الرقابة البرلمانية على الأداء الحكومي التي يقوم بها النواب في الأغلبية والمعارضة ليست كافية وحدها، خاصة وأن تلك الرقابة قد تتأثر سلبا بالتجاذبات السياسية، وقد تغيب عنها ـ في بعض الأحيان ـ الموضوعية والاستقلالية بسبب التجاذبات والصراعات السياسية، والتي تجعل بعض النواب في الأغلبية يبالغ في حجم الإنجاز، والبعض الآخر في المعارضة يبالغ في حجم الإخفاق والفشل.
إن من حق المواطن أن توفر له المعلومات الدقيقة عما تحقق من تعهدات والتزامات حكومية، وعما تعثر تنفيذه من تلك التعهدات والالتزامات، وعن الإجراءات التي اتخذت لتجاوز الاختلالات في المشاريع المتعثرة، وأن تقدم له تلك المعلومات من طرف جهة مدنية ليست لها أغراض سياسية خاصة، تضع مصلحة المواطن والدولة الموريتانية فوق أي اعتبار آخر.
إن رقابة المجتمع المدني على الأداء الحكومي، حين تكون مستقلة عن التجاذبات السياسية، ومستندة إلى معايير موضوعية ومؤشرات قابلة للقياس، ستشكل – وبلا شك – إضافة نوعية لجهود تحسين الأداء الحكومي، وترسيخ الشفافية، وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن.
فهذه الرقابة لا تخضع للحسابات السياسية للأغلبية والمعارضة، وبالتالي فإن بإمكانها أن ترى الإنجاز عندما يتحقق، وترصد التقصير عندما يقع، دون أن تجعل من أي منهما ـ الإنجاز أو التقصير ـ مادة للاستغلال والتوظيف السياسي.
معالي الوزير الأول،
إن من مصلحة حكومتكم أن تكون هناك جهة مدنية مستقلة، تقدم في نهاية العام من المرحلة الثانية من برنامجي تنمية نواكشوط والتدخل الاستعجالي في الولايات، حصيلة مستقلة وموثوقة لما تحقق من إنجازات، وما أُحرز من تقدم، وما رُصِد من نواقص.
فعندما تستعرض جهة مدنية مستقلة، إنجازات الحكومة، وفق معايير معلنة وأدلة قابلة للتحقق، فإن تلك الإنجازات ستكتسب قيمة إضافية، وستكون أكثر قدرة على إقناع المواطنين، وتعزيز الثقة في الأداء الحكومي، وعندما ترصد تلك الجهة تأخرا في تنفيذ بعض الالتزامات، أو اختلالات في الأداء، أو صعوبات في تقديم الخدمات، وتنبه الجهات الحكومية على ذلك لتصحيحه في الوقت المناسب، دون أي توظيف سياسي، فإن الحكومة ستكون هي المستفيد الأول من إشراك المجتمع المدني في الرقابة على الأداء الحكومي.
إن هدفنا في المجتمع المدني من رصد الخلل، ليس إحراج الحكومة، وإنما مساعدتها لتحسين أدائها، وكشفنا لأي خلل لن يتجاوز القدر الذي يسمح بمعالجته، وفي الوقت الذي تكون فيه المعالجة ممكنة وذات أثر.
معالي الوزير الأول،
إننا كمنظمات فاعلة في المجتمع المدني تسعى لتفعيل رقابة مواطنية على الأداء الحكومي، بحاجة ماسة إلى شراكة مع الحكومة، توفر لنا من خلالها المعلومات المتعلقة بالبرامج والمشاريع والالتزامات الحكومية، وتمكن منظماتنا المنخرطة في هذه الرقابة المواطنية من الوسائل اللازمة لتنظيم زيارات ميدانية إلى مواقع المشاريع، والوقوف بصورة مباشرة على مدى تقدم الأشغال وجودة الإنجاز ونسب التنفيذ في تلك المشاريع.
وفي الختام، نأمل أن تحظى هذه المقترحات باهتمام معاليكم، وأن تتخذوا الخطوات والإجراءات الكفيلة بتاسيس شراكة مثمرة مع المجتمع المدني لتفعيل رقابة مواطنية جادة، بما يخدم المصلحة العليا للبلد، ويحسن من جودة الأداء الحكومي.
حفظ الله موريتانيا…









