أخبار اليوم. عندما يفقد نظام سياسي على مشارف المغادرة ثقة شعب بأكمله، وهو على بعد خطوات من انتهاء مأموريته الثانية، فإن الحوار الذي يطمح إليه لا يكون عادةً حوارًا من أجل الإصلاح الجذري أو تحسين واقع مجتمعي، بل يكون حوارًا استراتيجيًا يهدف من خلاله إلى محاولة البقاء، وتخفيف الضغوط، وإعادة إنتاج شرعية الانقلاب على الدستور الذي أقسم بالله العلي العظيم ألا يشارك في تغييره. وتتمحور طموحاته وأهدافه حول النقاط التالية:
## 1. كسب الوقت وتفكيك الضغوط
امتصاص الغضب: يهدف نظام محمد ولد الشيخ الغزواني من خلال الحوار إلى امتصاص الاحتقان الشعبي والضغوط الخارجية عبر إظهار “حسن النية” والرغبة في الاستماع.
تأجيل الاستحقاقات: والتفاوض كأداة لتمطيط الوقت وتأجيل أي قرارات حاسمة أو تغييرات هيكلية يطالب بها الشارع الموريتاني الذي وصل مرحلة الاحتقان من سياساته الفاشلة.
## 2. إعادة إنتاج الشرعية
يطمح نظام محمد ولد الشيخ الغزواني إلى التقاط “صورة الحوار” لتصديرها إلى الخارج والداخل، لإثبات أنه ما زال شريكًا سياسيًا ممكنًا وليس معزولًا كما هو الحال على أرض الواقع.
ويسعى إلى جرّ أطراف يحاول أن يصفها بالمعارضة، أو جزء من المجتمع المدني المتاجر بالأوطان، إلى طاولة المفاوضات، لكي يتقاسم معهم وزر الأزمات والفشل الإداري والاقتصادي وسوء الأوضاع.
## 3. شق صفوف الوطنيين الذين يرفضون المساس بالمواد المحصنة من الدستور
سياسة “فرق تسد”: يطمح نظام محمد ولد الشيخ الغزواني من خلال الحوار إلى تقديم تنازلات صغيرة أو مناصب لبعض الأطراف، مما يؤدي إلى حدوث انقسامات بين معارضة “راديكالية” ترفض الحوار، ومعارضة “معتدلة” تقبل به.
عزل الأصوات الصلبة: تحييد القوى الأكثر تمسكًا بالتغيير وحماية الدستور، وإظهارها بمظهر “المتطرفة” أو “الرافضة للاستقرار”.
## 4. تقديم تنازلات هامشية لا تمس جوهر السلطة
يطمح نظام ولد الغزواني إلى توجيه الحوار نحو ملفات مثل تعديل الدستور مع تغيير وجوه وزارية، مثلما حدث في التشكيلة الأخيرة، وتشكيل لجان تحقيق شكلية، مثل التحقيق في ملفات الفساد وحبوب الهلوسة والأدوية المزورة وحريق محطات الكهرباء وغير ذلك من الفضائح التي أنتجها نظامه في سبع سنوات، مع الإبقاء على مفاصل القوة والثروة والأمن في يده ويد المحيطين به، ودون محاسبة مقربيه.
كما يهدف من خلال الحوار إلى حماية أركان نظامه والمقربين منه من أي ملاحقات قانونية أو قضايا فساد، عبر صياغة تسويات سياسية تحميهم مستقبلًا.
هنا يبرز السؤال أمام المواطن الموريتاني: هل نكتفي بترديد مقولة “عفا الله عما سلف” لكل مغادر، ونغرق بالتالي في ارتياح مبالغ فيه أمام حوار وهمي؟ هل نستمر في الانتظار والترقب، عسى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ونردد في كل مرة “لقد مرّت بسلام”؟ أم يجب علينا الاعتراف بأنها “وصلت إلى العظم”، وأن المواطن الموريتاني ما عاد قادرًا على الخضوع والهوان؟ أم علينا أن نعلنها صراحة بأن رصيد الثقة الممكن بين المواطن ونظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قد استُهلك نهائيًا، ولم تبق فيه أي ذرات؟
سقف اليأس وصل الحلقوم، وكان الصمت خير جواب على تلك الآهات والزفرات المطالبة بالتغيير وبصون الدستور، فكل فاسد فضحته ملفاته.
إن استمرار وسائل الإكراه والتحكم في تجديد السلطوية وإعادة “تنميق” الاستبداد يدل على أن نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لم يستوعب جيدًا ما وصلت إليه أوضاع البلد، وأن رسائل البؤس والفقر والجوع لم تُفكَّك شفراتها على الوجه الأحسن.
وإن المتملقين اليوم سيكونون أول المنسلخين من الركب حين يجد الجد، وسيدرك أن رصيد الثقة فيه غير قابل للتجديد، وأن ما وصلت إليه أحوال الشعب الموريتاني صنع أزمة ثقة في البدء والختام، وحالة من اليأس هي نار تلتهب تحت الرماد، لا ينقصها أن تشعل الأخضر واليابس سوى هبّة رياح نفاق وتملق تحاول التمديد أو البقاء أو صناعة شرعية لنظام أفقد نفسه الشرعية قبل أن يسحبها الشعب منه.
المقالات المنشورة في “مدار الرأي” تعبر عن آراء كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي مدار.








