أخبار اليوم. في مقاله العميق، يضع العقيد المتقاعد أحمد سالم ولد لكبيد يده على جرح موريتانيا المفتوح، حين يعيد سؤال الرئيس المختار ولد داداه سنة 1957: «أي موريتانيا نريد؟» إلى سؤال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني اليوم: «إلى أين نسير؟».
وبين السؤالين سبعون عاماً تقريباً، لكن المفارقة أن موريتانيا تبدو، مرة أخرى، أمام لحظة تستدعي أكثر من إجابة سياسية عابرة؛ تستدعي مراجعة شاملة لمسار الدولة والمجتمع.
والحقيقة أن قيمة مقال العقيد لكبيد لا تكمن فقط في تعداد مظاهر التردي، وإنما في محاولته البحث عن جذورها: أزمة المؤسسات، تراجع الإدارة، تغول الولاءات الضيقة، شراء النفوذ والأصوات، تراجع مكانة الكفاءة، ضعف الضمير العام، وتراجع منظومة القيم التي كان يفترض أن تشكل خط الدفاع الأول عن المجتمع والدولة.
لكنني أرى أن علينا أن نذهب خطوة أبعد من التشخيص الذي قدمه العقيد لكبيد.
فالمشكلة لم تعد مجرد فساد داخل الدولة؛ المشكلة أن بعض آليات إنتاج الفساد أصبحت جزءاً من طريقة اشتغال المجال العام نفسه.
فالفساد ينتج ضعف المؤسسات، وضعف المؤسسات يعزز الحاجة إلى الوساطة، والوساطة تعيد الاعتبار للقبيلة والجهة والعلاقة الشخصية، ثم تتحول هذه الولاءات إلى أدوات سياسية، فتزداد المؤسسات ضعفاً، وتدور البلاد في الحلقة نفسها.
ولهذا فإن تغيير الأشخاص، مهما كانت نواياهم، لن يكون كافياً إذا بقيت القواعد التي أنتجت الأزمة كما هي.
إننا لا نحتاج فقط إلى حكومة أفضل؛ بل إلى قواعد أفضل لإدارة الدولة.
ومن هنا فإن سؤال العقيد لكبيد ينبغي أن يقودنا إلى سؤال آخر أكثر إلحاحاً:
إذا كنا قد وصلنا إلى هذه النقطة، فكيف نخرج منها بأمان؟
في تقديري، المخرج لا يكون بالهدم، ولا بالانتقام، ولا بإقصاء طرف لحساب طرف، وإنما بـ خطة وطنية متدرجة لإعادة بناء الثقة والدولة معاً.
تبدأ هذه الخطة بحوار وطني مختلف في شكله ومضمونه؛ حوار لا يكون مجرد مناسبة لتقاسم المقاعد والخطب، وإنما فضاءً يجتمع فيه العلماء والمثقفون والأكاديميون والشباب والفاعلون الاجتماعيون والاقتصاديون والإعلاميون والمجتمع المدني، إلى جانب الطبقة السياسية، للاتفاق على تشخيص واضح للأزمة وعلى صورة الدولة التي يريدها الموريتانيون خلال العقد القادم.
ثم يأتي الإصلاح السياسي، لا باعتباره إعادة توزيع للمواقع، وإنما باعتباره إعادة بناء لقواعد المنافسة السياسية، بحيث لا تكون الانتخابات سوقاً للمال والولاءات، ولا تكون الإدارة امتداداً للحزب، ولا تتحول القبيلة أو الجهة إلى بديل عن الدولة.
ثم إصلاح القضاء والإدارة؛ لأن المواطن لن يستعيد ثقته بالدولة ما لم يشعر أن القانون قادر على حمايته، وأن الوظيفة العامة يمكن أن يصل إليها بالكفاءة، وأن المال العام ليس مالاً سائبا، وأن المسؤولية تعني المحاسبة.
وهنا يجب أن تتحول الرقمنة من مجرد تحديث تقني إلى وسيلة لتقليص مساحة التدخل الشخصي، وتوحيد الإجراءات، وتتبع القرارات، وربط المسؤولية بالوثيقة والبيانات، بما يجعل العبث أصعب والمساءلة أسهل.
لكن كل ذلك سيظل ناقصاً إذا لم يصاحبه إصلاح ثقافي وأخلاقي.
فالدولة لا تستطيع أن تراقب كل طبيب، وكل معلم، وكل مهندس، وكل ضابط، وكل تاجر، وكل إعلامي، وكل مسؤول.
هناك رقابة لا تستطيع الدولة أن تصل إليها: رقابة الضمير.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد اختلاس المال العام، وإنما ضد الثقافة التي تجعل بيع الموقف أمراً عادياً، وبيع الصوت أمراً طبيعياً، وبيع الكلمة أمراً مهنياً، وتحويل الوظيفة العامة إلى غنيمة أمراً مقبولاً.
نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لمعاني الأمانة، والكفاءة، والضمير المهني، وهيبة الدولة، وحرمة المال العام.
والشباب يجب أن يكون في قلب هذه العملية؛ لأن الدولة التي لا تمنح شبابها أملاً في المستقبل ستدفع بعض أبنائها إلى البحث عن المستقبل خارجها.
لذلك فإن مكافحة الهجرة تبدأ، قبل كل شيء، ببناء دولة يشعر فيها الشاب أن مستقبله يمكن أن يصنعه داخل وطنه، لا أن يغامر بحياته بحثاً عنه في الخارج.
لكن الإصلاح، حتى يكون آمناً، يحتاج إلى قاعدة أساسية:
لا ينبغي أن يتحول إصلاح الدولة إلى هدم للدولة.
موريتانيا لا تحتاج إلى ثورة غضب، وإنما إلى ثورة مؤسسات.
لا تحتاج إلى تصفية حسابات مع الماضي، وإنما إلى استخلاص دروسه.
ولا تحتاج إلى البحث عن شخص واحد لتحميله كل أوزار المرحلة، وإنما إلى بناء نظام يجعل الفساد مكلفاً، والكفاءة مجزية، والقانون فوق الجميع.
وهنا أعتقد أن مقال العقيد المتقاعد أحمد سالم ولد لكبيد يفتح باباً مهماً للنقاش، لكنه لا ينبغي أن يكون خاتمة النقاش.
فإذا كان سؤال الرئيس هو:
«إلى أين نسير؟»
فإن جواب المجتمع ينبغي أن يتبعه بسؤال آخر:
«وكيف نخرج من هذا المأزق بأقل كلفة، وبأكبر قدر من الوحدة، وبأكثر ضمانات الاستقرار؟»
والجواب، في تقديري، يبدأ من إعادة تأسيس العلاقة بين المواطن والدولة:
دولة لا تطلب الولاء لشخص، وإنما تضمن الحقوق.
ومواطن لا يبحث عن واسطة للوصول إلى حقه، وإنما يلجأ إلى مؤسسة يثق بعدالتها.
وسياسة لا تشتري الأصوات، وإنما تتنافس على خدمة الناس.
وإدارة لا تسأل المواطن: «من وراءك؟» وإنما تسأله: «ماذا تستطيع أن تقدم؟».
عندها فقط يمكن أن يتحول سؤال «إلى أين نسير؟» من عنوان للقلق إلى بداية لخريطة طريق.
فموريتانيا لا تحتاج اليوم إلى من يصف لها عمق الحفرة فقط؛ إنها تحتاج إلى خطة خروج آمنة، وإرادة إصلاح صادقة، وعقد وطني جديد، ومؤسسات تجعل العودة إلى الحفرة أصعب من الخروج منها.
وهذا، في رأيي، هو الجواب الذي ينبغي أن نبحث عنه جميعاً.
حمادي سيدي محمد آباتي









