أخبار اليوم. انطلقت في مالي المراجعة السنوية للقوائم الانتخابية لمدة ثلاثة أشهر، دون الإعلان عن أي موعد لاقتراع وطني، ما يطرح سؤالاً مركزياً: ما معنى تحديث سجل انتخابي حين لا يُعرف متى، ولا حتى ما إذا كان، سيُستخدم لتنظيم انتخابات؟
ففي أي نظام انتخابي طبيعي، تُعدّ مراجعة القوائم عملاً تحضيرياً يسبق اقتراعاً محدداً ويهيئ له، لكن في مالي انقطع هذا الرابط، إذ تندرج المراجعة الجارية في فراغ زمني لم تملأه سلطات المرحلة الانتقالية. وبحسب معطيات مشروع “TSEP” بجامعة فلوريدا، بلغ عدد المسجلين في السجل الانتخابي 8 ملايين و472 ألفاً و439 ناخباً في 30 نونبر 2024، أي أن الآلية الإدارية تعمل لكنها تدور في الفراغ.
جداول زمنية متتالية أُلغيت
منذ 2022، تعاقبت جداول انتخابية لم تُحترم أياً من محطاتها: جدول أولي توقّع استفتاءً دستورياً في مارس 2023 وانتخابات محلية وتشريعية ورئاسية في 2023 و2024، ثم تسلسل ثانٍ عُرض على “إيكواس” وأرجأ الرئاسية إلى يناير 2026، وهو ما اعتبرته المنظمة مخالفاً لميثاق المرحلة الانتقالية والالتزامات المبرمة معها.
لا دليل على إرادة ديمقراطية
رغم ذلك، لا تخلو المراجعة من دلالة، إذ تُظهر تحليلات المعهد الانتخابي للتنمية المستدامة في أفريقيا أن الأنظمة الانتقالية تستخدم تحديث السجل الانتخابي كإشارة على حسن النية الإجرائية، دون أن يضمن ذلك وحده جودة المسار الديمقراطي. وقد دعم الشركاء الدوليون، ومنهم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاتحاد الأوروبي وكندا واليابان، هذه العمليات ضمن مشروع “باريم 2021-2023″، ما يُبقي بنية انتخابية قائمة دون مطالبة بموعد محدد للاقتراع.
سوابق إقليمية ومنطق التأجيل الدائم
لا تقف مالي وحدها، فقد عرفت غينيا كوناكري مراجعات مماثلة بين 2021 و2024 في ظل غموض الجدول الزمني، ما أضعف الثقة السياسية، فيما تواصلت المراجعات في بوركينا فاسو بعد انقلاب 2022 دون برمجة أي انتخابات، إذ اعتبر قائد المجلس العسكري أن الانتخابات ليست أولوية أمام الضرورات الأمنية. وترسم هذه الحالات منطقاً مشتركاً: تحوّل تحديث السجل الانتخابي إلى نشاط قائم بذاته، منفصل عن أي أفق انتخابي.
إجراء ضروري لكنه غير كافٍ
وتبقى صيانة السجل الانتخابي ضرورة تقنية، إذ إن قطع المراجعات سيخلق ثغرات أصعب في التدارك لاحقاً، كما أن قرابة 8,5 ملايين ناخب مسجل تمثل بنية مدنية يصعب تركها تتدهور. لكن الضرورة التقنية لا تكفي لمنح بعد سياسي لعملية يبقى مستقبلها، أي الانتخابات، مفقوداً، فبدون جواب عن الإرادة الحقيقية في تنظيم اقتراع، ستبقى مراجعة القوائم تمريناً إدارياً أُفرغ من غايته الديمقراطية.









