أخبار اليوم. كيف يحق لمدون أو ناشط سياسي أن يرفع راية التغيير والإصلاح وهو يمارس الابتزاز ويقتات على هتك الأعراض وبيع الحياة الخاصة أو فبركتها؟
انطلاقا من التساؤل اعلاه أعتقد أنه من البداهة بمكان التأكيد على أن التجربة الديمقراطية المتبصرة لا يمكن أن تقوم على تقييد الحرية التعبير أو مصادرة حق الأفراد في ممارسة النقد السياسي الواعي والمتزن، فحرية الرأي هي صمام أمان تقويم السياسات العمومية، وترشيد الحكامة.
بالمقابل فإن المرتكز الدستوري والأخلاقي الذي يسند مفهوم “الحرية” يؤكد بوضوح تام وصريح أنه لا وجود لحرية بلا مسؤولية، الأمر الذي يجب أن يدفعنا إلى التأكيد على أن النقد السياسي بحال من الأحوال أن يلتبس مع ممارسات مناقضة لجوهره، أو يتحول إلى مجرد مظلة تتسر تحتها تمثلات هزيلة ومكشوفة من أنماط الاسترزاق، وشبكات التشهير والابتزاز العابر للحدود.
إن الأحداث التي شهدتها الساحة الوطنية مؤخرا، خاصة الملف المتعلق بنشاط مدونين مقيمين في الخارج، تستدعي منا تفكيكا مفاهيميا لهذه الأحداث، يقوم على التفريق بوضوح تام بين المعارض السياسي الذي يمتلك الرؤية ويسعى لتبليغ موقفه وفق أطر موضوعية نختلف معها أو نتفق، وبين أطراف اتخذت من منصات التواصل الاجتماعي دكاكين افتراضية للابتزاز والمساومة، إذ تجاوز هذا النوع الأخير حدود العمل الإعلامي الرقمي الهادف، إلى ابتزاز صريح يستهدف الرموز الوطنية، ورجال الأعمال والشخصيات العامة ويذكي النعرات البائدة حسب الطلب، ومن يدفع أكثر.
فإما أن تدفع أكثر أو تجد نفسك تحت طائلة الاتهام والتلفيق، والمس من شخصك المعنوي.
إن ما أظهرته التحقيقات الأمنية، حسب ما هو متاح عن طريق الناطق باسم الحكومة ووسائل الإعلام يضع اليد على الجانب الأكثر خطورة في القضية، إذ لم يعد الأمر يتعلق بمجرد كلام يطلق على علاته في هذا الفضاء، بل تجاوز ذلك إلى شبكات منظمة ومنسقة، تعتمد مسارات مالية مشبوهة، وتحويلات عبر وكالات وصرفات غير مرخصة الوساطة، أو عبر محافظ بنكية معروفة، هذه التحويلات التي تتعزز بوجود منافذ استلام تدار خلف الكواليس في المناطق الأكثر تشابكا وتعقيدا بحيث لا يدركها المواطن العادي.
إن كشف هذه الخيوط والمسارات يؤكد على أننا أمام سوق “تجارة شائعات” رائج، يتخذ مع حرية الرأي والعمل السياسي المعارض لبوسا لدسائسه وفظاعاته.
ويتضاعف خطر هذا الطريق عندما يستغل البعد الجغرافي والإقامة خارج حدود الوطن كوسيلة للاستقواء الواهم بالحصانة من الملاحقة.
إن ردع هذه الظاهرة، لا يخدم الدولة كجهاز سلطوي فحسب، بل ينحو أبعد من ذلك بحماية الحق العام وحرية الإعلام الحقيقية، التي ميعتها وتميعها عمليات الابتزاز هذه.
بلا شك لا تبنى الأوطان بالابتزاز، والكرامة لا تشترى بالتحويلات المالية، وواهم من يظن أن المسافات الجغرافية تحميه من المساءلة القانويية، فتاريخ البلد كان دائما شاهدا على فضائح المتكسبين بالكلمة والحق والنضال.








