الفضاء الرقمي بين مسؤولية الرأي وشبكات التكسب / محمد محمود محمد البشير 

أخبار اليوم.   كيف يحق لمدون أو ناشط سياسي أن يرفع راية التغيير والإصلاح وهو يمارس الابتزاز ويقتات على هتك الأعراض وبيع الحياة الخاصة أو فبركتها؟

انطلاقا من التساؤل اعلاه أعتقد أنه من البداهة بمكان التأكيد على أن التجربة الديمقراطية المتبصرة لا يمكن أن تقوم على تقييد الحرية التعبير أو مصادرة حق الأفراد في ممارسة النقد السياسي الواعي والمتزن، فحرية الرأي هي صمام أمان تقويم السياسات العمومية، وترشيد الحكامة.

بالمقابل فإن المرتكز الدستوري والأخلاقي الذي يسند مفهوم “الحرية” يؤكد بوضوح تام وصريح أنه لا وجود لحرية بلا مسؤولية، الأمر الذي يجب أن يدفعنا إلى التأكيد على أن النقد السياسي بحال من الأحوال أن يلتبس مع ممارسات مناقضة لجوهره،  أو يتحول إلى مجرد مظلة تتسر تحتها تمثلات هزيلة ومكشوفة من أنماط الاسترزاق، وشبكات التشهير والابتزاز العابر للحدود.

إن الأحداث التي شهدتها الساحة الوطنية مؤخرا، خاصة الملف المتعلق بنشاط مدونين مقيمين في الخارج، تستدعي منا تفكيكا مفاهيميا لهذه الأحداث، يقوم على التفريق بوضوح تام بين المعارض السياسي الذي يمتلك الرؤية ويسعى لتبليغ موقفه وفق أطر موضوعية نختلف معها أو نتفق، وبين أطراف اتخذت من منصات التواصل الاجتماعي دكاكين افتراضية للابتزاز والمساومة، إذ تجاوز هذا النوع الأخير حدود العمل الإعلامي الرقمي الهادف، إلى ابتزاز صريح يستهدف الرموز الوطنية، ورجال الأعمال والشخصيات العامة ويذكي النعرات البائدة حسب الطلب، ومن يدفع أكثر.
فإما أن تدفع أكثر أو تجد نفسك تحت طائلة الاتهام والتلفيق، والمس من شخصك المعنوي.

إن ما أظهرته التحقيقات الأمنية، حسب ما هو متاح عن طريق الناطق باسم الحكومة ووسائل الإعلام يضع اليد على الجانب الأكثر خطورة في القضية، إذ لم يعد الأمر يتعلق بمجرد كلام يطلق على علاته في هذا الفضاء، بل تجاوز ذلك إلى شبكات منظمة ومنسقة، تعتمد مسارات مالية مشبوهة، وتحويلات عبر وكالات وصرفات غير مرخصة الوساطة، أو عبر محافظ بنكية معروفة، هذه التحويلات التي تتعزز بوجود منافذ استلام تدار خلف الكواليس في المناطق الأكثر تشابكا وتعقيدا بحيث لا يدركها المواطن العادي.

إن كشف هذه الخيوط والمسارات يؤكد على أننا أمام سوق “تجارة شائعات” رائج، يتخذ مع حرية الرأي والعمل السياسي المعارض لبوسا لدسائسه وفظاعاته.

ويتضاعف خطر هذا الطريق عندما يستغل البعد الجغرافي والإقامة خارج حدود الوطن كوسيلة للاستقواء الواهم بالحصانة من الملاحقة.

إن ردع هذه الظاهرة، لا يخدم الدولة كجهاز سلطوي فحسب، بل ينحو أبعد من ذلك بحماية الحق العام وحرية الإعلام الحقيقية، التي ميعتها وتميعها  عمليات الابتزاز هذه.

بلا شك لا تبنى الأوطان بالابتزاز، والكرامة لا تشترى بالتحويلات المالية، وواهم من يظن أن المسافات الجغرافية تحميه من المساءلة القانويية، فتاريخ البلد كان دائما شاهدا على فضائح المتكسبين بالكلمة والحق والنضال.

  • Related Posts

    الفضاء الرقمي بين مسؤولية الرأي وشبكات التكسب / محمد محمود محمد البشير 

    أخبار اليوم.   كيف يحق لمدون أو ناشط سياسي أن يرفع راية التغيير والإصلاح وهو يمارس الابتزاز ويقتات على هتك الأعراض وبيع الحياة الخاصة أو فبركتها؟ انطلاقا من التساؤل اعلاه أعتقد…

    اقرأ المزيد

    موريتانيا تبتعث 45 طالبا وطالبة إلى تركيا خلال العام الدراسي الجديد

    أخباراليوم.  أشرف  الأمين العام لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، محمد ولد بلال، اليوم الخميس في نواكشوط، رفقة السفير التركي المعتمد لدى موريتانيا، برهان كوروغلو، على افتتاح أعمال الملتقى التوجيهي للطلبة…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية