أخبار اليوم. علينا، كمعارضة وطنية، ألا نميل إلى القراءات السطحية أو التبسيطية لتصريحات رئيس الجمهورية، مهما كان حجم نقدنا لطريقة تسييره وخياراته في الحكم.
شخصيًا، استوقفني حديث الرئيس في أطار، خصوصًا عندما أستحضر دلالات السؤال الذي طرحه في سياق حديثه، وأربطه بالسؤال الذي ارتبط بمرحلة تأسيس الدولة الموريتانية، رغم اختلاف السياقات والزمان.
إن استحضار سؤال من قبيل: «إلى أين نسير؟» في هذه المرحلة بالذات، وربطه بمسار الحوار الوطني المرتقب، يضع على عاتقنا مسؤولية سياسية أكبر من مجرد تسجيل موقف من خطاب الرئيس.
علينا أن نسأل أنفسنا: هل نكتفي بتقديم إجابة سياسية جاهزة تنسجم مع مواقفنا السابقة، أم نحاول تفكيك السؤال وسياقه وإيحاءاته السياسية، حتى لا نقع في قراءة خاطئة للمشهد، بينما تكون أطراف أخرى قد قرأت ما وراء اللحظة وتحركت وفق تقدير مختلف؟
وهنا تبرز خصوصية اللحظة التي نعيشها داخل المعارضة.
فنحن لسنا أمام حوار ما زال في مرحلة الفكرة أو الدعوة الأولية. فجزء كبير من المعارضة انخرط بالفعل في مسار التحضير للحوار، وقطع هذا المسار مراحل متقدمة؛ إذ تم التوافق على خارطة طريق، وتحديد المواضيع التي ستناقش داخل الحوار، وكذلك القضايا التي تم الاتفاق على عدم طرحها، كما تم الاتفاق على هيكلة اللجان المشرفة والمنظمة ولجنة متابعة مخرجات الحوار، وعلى المبادئ والأدبيات الناظمة لتشكيلها.
وبالتالي، نحن أمام مسار أصبح في مراحله الأخيرة قبل تشكيل لجان الإشراف والانطلاق الفعلي لأعمال الحوار.
وفي المقابل، توجد قوى معارضة أخرى ما زالت تتمسك بموقف مقاطعة الحوار، بل إن بعضها يتحفز أكثر لتثبيت هذا الخيار مع اقتراب موعد انطلاقه.
وهنا تحديدًا يصبح تقدير الموقف أكثر تعقيدًا.
فالسؤال لم يعد فقط: هل الحوار جيد أم سيئ؟
ولم يعد كذلك: هل نشارك أم نقاطع؟
بل أصبح:
هل من المصلحة السياسية للمعارضة المنخرطة في مسار التحضير أن تتراجع في هذه اللحظة، بعد أن قطعت كل هذه المراحل، بسبب استمرار قوى أخرى في موقف المقاطعة؟ أم أن الاستمرار في المسار، مع الاحتفاظ بالقدرة على التقييم والمراجعة، هو الخيار الأكثر انسجامًا مع طبيعة المرحلة؟
وفي الاتجاه المقابل، علينا أن نطرح السؤال بجدية على أنفسنا:
ماذا يعني أن نمضي في الحوار في الوقت الذي تقاطعه قوى معارضة وازنة؟ وهل تستطيع المعارضة أن تدخل الحوار وهي منقسمة حول أصل المشاركة، دون أن ينعكس ذلك على قدرتها على التأثير في مخرجاته؟
هذه ليست أسئلة يمكن الإجابة عنها بالعاطفة أو بالرغبة في إثبات صحة موقف سابق.
إنها أسئلة تتطلب تقديرًا سياسيًا دقيقًا للكلفة والمكاسب والمخاطر.
فالقوى التي اختارت المقاطعة لديها، بالتأكيد، مبرراتها السياسية التي ينبغي الاستماع إليها، خصوصًا إذا كانت ترى أن شروط الحوار أو مساره لا يوفران الضمانات الكافية لتحقيق تحول حقيقي.
وفي المقابل، فإن القوى التي انخرطت في التحضير ليست أمام نقطة الصفر؛ فقد شاركت في صياغة المسار، وناقشت خارطة الطريق، وأسهمت في تحديد المواضيع واللجان وآليات التنظيم والمتابعة. ولذلك فإن الانسحاب في هذه اللحظة ليس قرارًا مماثلًا لرفض المشاركة منذ البداية، بل قرار له كلفة سياسية مختلفة ويحتاج إلى تبرير مختلف.
ومن هنا، أعتقد أن المطلوب ليس أن يتبادل جناحا المعارضة الاتهامات حول من يملك «الموقف الصحيح»، وإنما أن يطرح الجميع السؤال الأكثر أهمية:
ما الذي يخدم قدرة المعارضة على التأثير في مستقبل البلد؟
إذا كان الحوار قد وصل إلى هذه المرحلة، فإن المشاركة لا ينبغي أن تعني التخلي عن مواقف المعارضة أو منح السلطة تفويضًا مفتوحًا، كما أن مواصلة التحضير لا تعني بالضرورة قبول كل ما قد ينتج عنه.
وفي المقابل، فإن المقاطعة لا ينبغي أن تكون مجرد تعبير عن عدم الثقة، بل ينبغي أن تكون لها أهداف سياسية واضحة: ماذا نريد أن نحقق من خارج الحوار؟ وكيف نحافظ على تأثيرنا في مخرجاته؟ وكيف نمنع أن يؤدي غيابنا إلى ترك الساحة كاملة لمن اختاروا المشاركة؟
والأهم من ذلك كله: هل تستطيع المعارضة، بمختلف مكوناتها، أن تفصل بين خلافها حول المشاركة وبين القضايا الوطنية التي يفترض أن توحدها؟
قد نختلف حول طريقة الوصول إلى الحوار، لكن ينبغي ألا نختلف حول ضرورة معالجة الاختلالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية التي يعاني منها البلد.
وقد نختلف حول المشاركة، لكن ينبغي ألا نسمح بأن يتحول هذا الخلاف إلى انقسام استراتيجي دائم داخل المعارضة.
ومن هذه الزاوية، فإن سؤال أطار يكتسب أهمية إضافية.
فإذا كان رئيس الجمهورية يسأل: «إلى أين نسير؟»، فإن المعارضة مطالبة بأن تجيب أولًا عن سؤالها هي:
ما الذي نريد أن نفعله بهذا الحوار؟
هل نريده مجرد محطة لتبادل المواقف؟
أم نريده فرصة لفتح الملفات الوطنية الكبرى؟
وهل نملك رؤية موحدة لما نريد تحقيقه منه؟
وهل نملك آليات تضمن أن لا تتحول مخرجاته إلى مجرد توصيات؟
هذه الأسئلة أهم من سؤال المشاركة في حد ذاته.
لأن المشاركة، إذا لم تكن مرتبطة بأجندة واضحة وبقدرة على التأثير والمتابعة، قد تفقد معناها.
والمقاطعة، إذا لم تكن مرتبطة باستراتيجية سياسية بديلة، قد تتحول هي الأخرى إلى مجرد موقف احتجاجي.
لذلك، فإن اللحظة الحالية تستدعي من المعارضة قدرًا أكبر من الهدوء والواقعية السياسية.
نحن أمام مسار حوار قطعت فيه شوطًا كبيرًا، وأمام قوى أخرى ما زالت تتمسك بالمقاطعة، وأمام سلطة تطرح، في هذه اللحظة، سؤالًا واسعًا عن اتجاه الدولة ومستقبلها.
ولا أعتقد أن الإجابة المسؤولة تكمن في التسرع نحو أحد الخيارين.
بل في أن نقرأ المشهد كاملًا، ونحدد ما نريد تحقيقه، ونحافظ على وحدة القضايا الأساسية للمعارضة، ونترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية التقارب بين المواقف، حتى لو اختلفت طرق التعامل مع الحوار.
فربما لا يكون السؤال الحقيقي في النهاية:
هل نشارك أم نقاطع؟
بل:
كيف نمنع أن تتحول المشاركة إلى مجرد حضور، والمقاطعة إلى مجرد غياب، ونجعل من كلا الموقفين ــ إن اختلفا ــ جزءًا من استراتيجية سياسية أوسع تخدم مصالح الشعب وتدفع نحو إصلاح حقيقي؟
وهنا يعود سؤال أطار إلى مكانه الطبيعي:
إلى أين نسير؟
والإجابة التي ينبغي أن تقدمها المعارضة ليست فقط إجابة على الرئيس، بل إجابة للشعب الموريتاني كله:
إلى أي دولة نريد أن نصل، وما الطريق الذي نراه أكثر قدرة على إيصالنا إليها؟
الأمين العام لحزب العمال الموريتاني :
وجاه الأدهم








