مريم سبتي، باحثة فرنسية في الفلسفة الإسلامية (من أصول مغربية)، أصدرت هذه الأيام كتاباً بالفرنسية بعنوان «التفكير في العالم مع ابن سينا»، هو خاتمة عدة أعمال خصّصتها من قبل لهذا الفيلسوف الذي هو دون شك أهم فلاسفة العصر الإسلامي الوسيط.ليس من همّنا عرض هذا الكتاب، الذي يبرز أهمية الثورة السينوية في تاريخ الميتافيزيقا الكونية، بطرحها إشكالات أنطولوجية جديدة شغلت مسار الفلسفة إلى اليوم، مثل ثنائية الوجوب والإمكان، وثنائية الماهية والوجود.. إلخ، وإنما أردنا أن نتناول مع المؤلفة ما تعتقد أنه راهنيّة ابن سينا في الزمن الحاضر.
لا تقول مريم سبتي إن فلسفة ابن سينا لا تزال قادرة على حلّ الإشكالات النظرية والعملية التي تطرحا الإنسانية حالياً، فهي تُدرك المسافة الواسعة التي تفصل هذه الفلسفة عن الوقت الحالي، من حيث الأدوات المعرفية والتصورات والسياقات.
ومع ذلك، ترى سبتي أن بعض توجهات وآراء ابن سينا قادرة على توجيه النظر إلى جوانب معيّنة من أوضاع الإنسانية الراهنة، ومؤهلة للتأقلم مع بعض الأفكار الفلسفية الجديدة. وفي هذا الباب، تشير مريم سبتي إلى ثلاثة ميادين أساسية هي: اللاهوت السياسي، والفكرة العقلانية، وتصور الطبيعة.
في مجال اللاهوت السياسي، أبرزت مريم سبتي نظريةَ ابن سينا الطريفة في تفسير النبوة من حيث علاقة السياسة بالميتافيزيقا، أي القدرة على تجسيد الحقيقة الدينية في بناء بشري منظّم. ما تريد أن تبيّنه المؤلفة، هو أن ابن سينا أدرك ما فشل المتكلمون والفقهاء في فهمه، من دور التبليغ والرسالة الموجّهة للجمهور في تشكل شرعية النظام السياسي، لا باعتبار أن الدولة مؤسسة دينية، وإنما لكون الظاهرة السياسية تتطلب شرعيةَ السمو وخطاب التعبئة والتحشيد، أي ما أطلق عليه رجيس دوبريه دور «الغائب المقدس» في العقل السياسي.
وبخصوص الفكرة العقلانية، بيّنت مريم سبتي أن فلسفة ابن سينا تسمح بمراجعة التصور الموروث عن التنوير الأوروبي في قوله بعقلانية ذاتية أحادية وكونية ذات مضمون علمي تجريبي، بما يتعارض مع الأفكار الراهنة حول العقلانيات التعددية، بل العوالم المتعددة، وترابط الوجود في مستوياته المختلفة من طبيعة وأحياء، وهو الموقف السينوي المركزي في منظوره الميتافيزيقي الشامل الذي يربط بقوة بين المحدّدات الطبيعية والميتافيزيقية، والمنطق والأخلاق والجماليات، على عكس العقلانية الأداتية الضيّقة المعاصرة.
هذه القراءة قريبة من رؤية ميشال سر لنموذج السيلان الذي تنفرد به بعض الفلسفات، في مقدمتها فلسفة لايبنتز التي تتصور العالمَ من حيث هو حلقات مترابطة ومتصلة، قابلة للاستكناه من زوايا عديدة، بما يؤسّس لمنظور خاص للنظام والسببية والعقلانية، يختلف عن النّهج التنويري الحديث.
وإذا كان كَثُر الحديث عن «منطق المشرقيين» لدى ابن سينا (من حيث علاقته بالفلسفة اليونانية)، فإنه من البديهي أن مؤلف «موسوعة الشفاء» بلور أطروحةً متميزة في العقلانية الكونية، تدمج عناصر روحية وفلكية وأخلاقية ثرية في صلب الفلسفة العقلانية.
وفي كتابها الأخير، تتساءل مريم سبتي: هل يمكن تقديم قراءة إيكولوجية لفلسفة ابن سينا، بالنظر إلى أنه رفض التصور الموضوعي النفعي للطبيعة، وهو التصور الذي قامت عليه الحداثة الغربية في نزوعها لسيطرة الذات على العالم التجريبي وتحكّمها الكامل فيه؟ لقد اعتبر ابن سينا أن الإنسان ليس موجوداً خارج العالم، بل ينتمي إلى نظام الكون، من حيث هو أحد مكوناته. وليس الإنسان مختصّاً بالقدرة العقلية ما دام الكون نفسه متشكّلاً من دوائر عقلية مترابطة، تجمع بين الأفلاك الروحية العُليا وعناصر الطبيعة المادية. وعلى الرغم من كون هذه النظرية تحيل إلى مذهب الفيض الذي عرف به ابن سينا، أي صدور العالم عن العقل الأول بوساطة العقول المفارقة، فإن أهميتها تكمن في رفض المركزية الإنسانية التي تتلخص في جملة سبينوزا الشهيرة: «الاعتقاد بأن الإنسان إمبراطورية داخل إمبراطورية». وإذا كانت هذه النزعة الذاتية قد شكّلت محورَ التصورات الإنسانية الحديثة، منذ ديكارت ثم فلاسفة الأنوار الأوروبيين، فإنها غدت اليوم عبئاً على الفكر الليبرالي التحرّري، لما تفضي إليه من نزعة سلطوية تحكّمية وقهرية، كما بيّن ميشال فوكو وفلاسفة مدرسة فرانكفورت.
وخلاصة الأمر، أن فلسفة ابن سينا ترجع بداهة إلى فضاء نظري ومجتمعي مختلف أشدّ الاختلاف عن واقعنا الراهن، ومن ثم فلا معنى لاعتبارها راهنةً أو معاصرةً، لكنها تختزن بعض «الغرابة المتوحّشة» (حسب عبارة تونيو نغري في حديثه عن سبينوزا)، بمعنى أنها تسمح بالنظر إلى الإشكاليات الحداثية من زاوية مختلفة وثرية، وذلك ما قصدته مريم سبتي في قولها براهنيّة السينوية.









