من ألاك إلى آدرار.. رحلة الدولة وسؤال التأسيس من جديد/ السعد ولد لوليد

أخباراليوم.  بعد سبعة عقود من مؤتمر ألاك التأسيسي، وما رافق تلك المرحلة من عقبات وهزات واختلالات بنيوية، ثقافية واجتماعية واقتصادية، ألقت بظلالها لاحقًا، وبصورة كلية، على مختلف مراحل تطوير الدولة، وبناء مؤسساتها الوطنية، وتحديد معالم هويتها الثقافية والحضارية، وتحرير اقتصادها الوطني، حتى يومنا هذا.

ورغم أن شعبنا العظيم استطاع، بفطرته البدوية النقية، وعزيمته الصحراوية الساحلية الفولاذية الصلبة، أن يتكيف بسرعة وذكاء، وبعزيمة لا تلين ولا تنكسر، مع المفاهيم الحديثة عليه والمتطلبات الجديدة التي فرضتها عليه استحقاقات الدولة الوطنية الوليدة؛ وهو القادم توًّا من مجتمع البنى التقليدية اللامركزية: الأسرية والقبلية والأميرية، ومن الاستعمار الفرنسي الجشع، السالب للهوية والثقافة الجامعة، والناهب للثروات الاقتصادية، والمدجّن للعقول والموارد البشرية لجلّ نخبتنا وقتها؛

إلا أن شعبنا، يا سيدي الرئيس، بمختلف مكوناته وأعراقه وقومياته، ظل يضرب لنا ولمحيطه الإفريقي والعربي والإسلامي أروع صور التحدي والاقتدار والصمود والتضحية والإباء في وجه التحديات الجغرافية والمناخية والثقافية والمعيشية القوية والصعبة، التي حكمت بها على مجتمعنا الأول ودولتنا الوطنية الأولى محكمةُ التاريخ والجغرافيا، التي لا تعقيب على أحكامها ولا استئناف.

لكن أمتنا الموريتانية العظيمة انبرت موحَّدة، رغم التخلف والبداوة والمناخ الشديد والجفاف وشظف العيش. أجدادًا وآباءً، أمراءَ ومشايخَ ومقاومين، علماءَ وفقهاءَ وأهلَ طرق ومريدين، شعراءَ وأدباءَ، كتّابًا ومثقفين ومناضلين؛ كانوا جميعًا، كلٌّ من موقعه وظرفه وطبيعة مرحلته، على مستوى التحدي وإكراهات المرحلة ورهانات المستقبل الذي نعيشه اليوم ونتطلع إليه غدًا.

فطوّعوا المناخ، وثبّتوا الخيمة على الرمال المتحركة وتحت الشمس الحارقة، وقهروا الطبيعة القاسية، وشقوا الطرق، وحفروا الآبار، وفجّروا العيون، وغرسوا النخيل، وأثاروا الأرض حرثًا وسقيًا، وامتشقوا القلم، وسوّدوا الألواح، وأقاموا المحاظر، ورفعوا المآذن، واكتنزت الدواوين أدبًا وشعرًا وبلاغة وقصيدًا، وأُتخمت بطون الكتب فقهًا وتوحيدًا وعقيدةً، وفي شتى علوم الشرع وعلوم الحياة.

ولم تنقطع تلك المسيرة، وذلك البذل والعطاء، يومًا؛ بل زاد فيها اللاحقون حديثًا من الحداثة والتطور والتطوير ما وسعهم، ومن بناء الدولة على أسس المدنية والمواطنة والديمقراطية وفصل السلطات، حسب ما فرضته المتغيرات الإقليمية والدولية، وما سمحت به طاقة المجتمع في استيعاب ما أمكن من التحولات الديمقراطية والاجتماعية والثقافية الكبرى، التي تضرب بأطنابها اليوم في الدول والمجتمعات والمؤسسات، بفعل قوة المادة، وسرعة التغيير، وعالمية السياسة والاقتصاد، وفضاء الرقمنة، ومشاعية الثروة.

وهنا يكون طرح السؤال الجوهري والمصيري، الذي طرحتموه، يا صاحب الفخامة، في مستهل زيارتكم لآدرار، أهمَّ من الجواب أو الإجابات عنه نفسها!

فالسؤال، في حد ذاته، وقفة للتقييم والتقويم، ودعوة إلى إعادة التأسيس وإصلاح ما أفسدته الأيام الغابرة لأجيالنا الأُوَل، عن جهل أو تقصير أو حسن طوية.

وقد وُفِّقتم أولًا، سيدي الرئيس، في اختيار الزمان، وحالفكم القدر في تحديد المكان؛ حيث بدايات تأسيس الأمة اللامركزية الأولى والدولة الوطنية الأولى، في أزوكي ووادان وشنقيط وأطار؛ حيث كانت عاصمة المستعمر ومفتاح الاستقلال يوم التخيير «وي ونون»، وحيث بدأ المؤسسون للدولة، وحيث قارع المناضلون النهضويون الشباب يومًا، وحيث سقط الشهداء المقاومون عند أماطيل وتِگِل ووديان الخروب وأفديرك، من أجل الحلم العظيم والمنشود؛ من أجل الدولة والوطن وحرية الشعب واستقلاله. وحيث دفع الاستعمار الغاشم بأفضل رجالاته الفكرية والسلطوية والعسكرية لمنع قيام «الجمهورية الإسلامية الموريتانية» بالمكر والكيد والحديد والنار…

ولكنها، رغم كل ذلك، يا سيدي الرئيس، قامت؛ وها نحن نعيشها واقعًا لا حلمًا، ونعيش على أرضها أحرارًا؛ نبني ونعمر، ونصلح ونفكر، ونعلّم أجيالنا، ونؤسس للدولة الوطنية الثانية؛ التي قوامها عقد اجتماعي فريد وحديث، يواكب التحولات الديمقراطية والمتغيرات الثقافية والاجتماعية والديمغرافية لشعبنا، ويضمن الحقوق والحريات وتكافؤ الفرص لجميع أبناء وطننا، ويصون هويته وتراثه وثقافته الجامعة، ويعلي من شأنها ورفعتها وعزتها.

كما يعبّد هذا العقد الطريق الذي نسير عليه، والوجهة التي نتوجه إليها صوب المواطنة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والتباين بين الفئات، وتنقية المناهج والمعارف التربوية من الشوائب، كما ذكرتم في خطاب وادان التاريخي؛ ونؤسس لوحدة وطنية قوية، كما دعوتم إلى ذلك في وثيقة جول؛ ونحرر اقتصادنا وملكيتنا العقارية لتكون ملكًا للجميع، كما طالبتم بذلك في خطاب كيهيدي/كوركول؛ ونشمّر عن سواعد الجد لبناء مؤسسات دولة حقيقية، قوية ووطنية، تفرض هيبة الدولة وسلطة الإدارة وحيادها واستقلالها عن الفرد والمجموعة والقبيلة؛ تخدم المواطن ولا تستخدمه، كما أكدتم على ذلك، سيدي الرئيس، في خطابكم في تمبدغة/الحوض الشرقي.

سيدي الرئيس،

بتحقيق رؤيتكم، وتطبيق ما ورد في نداءاتكم المتكررة إلى النخبة الفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية، من مفكرين وأحزاب ومجتمع مدني ونقابات، للتنادي إلى حوار تأسيسي لا يستثني أحدًا ولا يستثني موضوعًا، وإلى هبّة مجتمعية لرص الصفوف، ونبذ الخلافات، وتجاوز عقد الذنب والشعور بالدونية، والنظر إلى المستقبل، وتوحيد الطاقات والجهود والعقول، وشحذ الهمم لبناء النهضة المنشودة والعبور ببلادنا إلى مصاف الدول المحترمة؛ يمكن أن نفتح أفقًا جديدًا للدولة والمجتمع.

وليكن الحوار المرتقب، سيدي، فرصتنا الثانية، وموعد شعبنا الثاني مع التاريخ؛ لتأسيس الجمهورية الثانية، ووضع عقدها الفريد الثاني، حتى تتكيف أجيال اليوم، وتأمن أجيال الغد من فجائيات العولمة السياسية والاقتصادية والرقمية، ونضمن لشعبنا نهضة حقيقية وتنمية دائمة، قوامها مواطنة حقيقية، بعقول نقية وسواعد قوية وأيادٍ أمينة؛ تبني وتطور، وتخدم المواطن الموريتاني من فصالة إلى بئر أم اكرين؛ دولةً نفخر بها جميعًا، ونعتز بها جميعًا، ونحميها جميعًا.

موريتانيا تستحق منا كل شيء.

  • Related Posts

    الأرصاد توقع عودة الأمطار إلى نواكشوط ونواذيبو مساء اليوم

    أخبار اليوم.  تشهد مناطق متفرقة من الحوض الغربي ولعصابة وتكانت وآدرار ولبراكنة والترارزة وإنشيري وشمال السواحل تساقطات مطرية مصحوبة بعواصف رعدية، تتراوح شدتها بين المعتدلة والقوية في بعض المناطق. وتشير التوقعات…

    اقرأ المزيد

    بحضور وزيرين.. نواذيبو تستعد لإطلاق أسبوعها الثقافي وموسم «وطني وجهتي»

      أخبار اليوم.  تستعد مدينة نواذيبو، لإطلاق أسبوعها الثقافي وموسم «وطني وجهتي»، بحضور وزيرة التجارة والسياحة ووزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، يوم الإثنين 28 سبتمبر الجاري.   وتقام…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية