معا لمساعدة المنمين والمزارعين. عبد الله محمد الفلالي

أخباراليوم.   شارف  موسم الأمطار على الانتهاء، ولا تزال مناطق شاسعة من البلاد تعاني من نقص حاد في معدلات الأمطار، وأخرى لم يصبها المطر أساسًا، أو أصابها مرتين أو ثلاثا هذا العام بكمية قليلة وخلال فترة متباعدة، ما يحتم على الدولة اتخاذ إجراءات عاجلة لمساعدة المنمين والمزارعين، وإنقاذ الثروة الحيوانية من الضياع.

 

التنمية الحيوانية والزراعة الموسمية تشكلان ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد في هذه البلاد، ويعمل بهما الآلاف من أبناء هذا الوطن، وتتربعان على قمة الهرم الغذائي للمواطنين؛ فهما تمدان السوق بما يحتاجه من اللحوم الحمراء، كما توفران له بعض احتياجاته من الألبان ومشتقاتها والدهون والحبوب والفواكه والخضروات. وإذا استُغلت هاتان الثروتان الاستغلال الأمثل، فإنهما قادرتان على المساهمة في تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي الغذائي، وتقليص حاجة الحكومة إلى استيراد كثير من المواد الغذائية.

 

لذا وجب المحافظة على هذه الثروة الوطنية ودعم القائمين عليها بما يحتاجونه من أسمدة وأنظمة للري الزراعي، وأدوية بيطرية وأعلاف وآبار للمنمين، وتوفيرها لهم بأسعار مناسبة، بعيدًا عن مضاربات التجار، مع ضمان توزيعها على المستحقين بنزاهة وشفافية، بعيدا عن الزبونية والمحسوبية. وبذلك يمكن الحد من الاحتكار، بما ينعكس إيجابًا على أسعار اللحوم والمواد الغذائية الأخرى، ويخفف من الغلاء الذي عانى منه السوق طوال الفترة الماضية، ولم تنتهِ معاناته حتى اللحظة.

 

لقد بلغ سعر كيلو لحم الغنم أربعة آلاف وخمسمائة أوقية قديمة في بعض أسواق العاصمة، بعد أن كان بثلاثة آلاف ومائتين قبل فترة وجيزة، وبلغ كيلو لحم البقر ثلاثة آلاف وخمسمائة أوقية قديمة، بعد أن كان يباع بألفين وأربعمائة أوقية قديمة مطلع هذا العام. وهو ما جعل محدودي الدخل يبحثون عن بدائل غذائية أقل كلفة تعوض قيمة اللحم، فارتفعت أسعار بعض تلك البدائل أيضًا، كالسمك والدجاج والفاصولياء والعدس، حيث تضاعف سعر الأسماك الصغيرة المعروفة محليا بـ”ياي باي” ووصل أربعمائة أوقية قديمة في بعض الأسواق الداخلية بعد أن كان بمائتي أوقية قديمة، وصار الغلاء واقعًا ملموسًا في أغلب مناطق البلاد.

 

وقد زادت الضغوط على المواطنين مع ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، بعد حرب إيران، وما نتج عنها من أزمة في هرمز وباب المندب، وهي حرب مرشحة للاستمرار والتوسع في الفترة اللاحقة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على أسعار المواد الغذائية؛ فكل زيادة في تكلفة الوقود والنقل والإنتاج تجد طريقها في النهاية إلى جيب المستهلك. ومن هنا يصبح السؤال الملح: كيف نتلافى تأثير الأزمات الخارجية، ونحافظ في الوقت نفسه على استقرار أسعار المواد الأساسية؟

 

إن مواجهة هذه الظروف لا تكون بالانتظار حتى تتفاقم الأزمة، وإنما بسياسات استباقية تحمي المنتج والمستهلك معًا. فالدولة مطالبة بالتدخل في الوقت المناسب، من خلال توفير الأعلاف بأسعار مدعومة أو مناسبة في المناطق المتضررة، وتسهيل وصولها إلى المنمين، وتوفير الأدوية البيطرية، وحفر وتأهيل الآبار، ومراقبة أسواق الأعلاف والمواد الغذائية لمنع المضاربات والاستغلال.

 

وفي المجال الزراعي، ينبغي توجيه الدعم إلى المزارعين المتضررين من ضعف الأمطار، وتوفير البذور والأسمدة ومستلزمات الري، وتشجيع استخدام وسائل الري التي تساعد على ترشيد المياه، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر حاجة. كما أن دعم الإنتاج المحلي ليس مساعدة ظرفية لفئة من المواطنين، بل هو استثمار في الأمن الغذائي للبلاد.

 

لقد ابتلينا في عامنا هذا بأزمتين متداخلتين: أزمة مناخية محلية تتمثل في ضعف التساقطات المطرية في مناطق واسعة من البلاد، وأخرى مرتبطة بالظروف الاقتصادية والأسواق الدولية. ومهما اختلفت أسباب الأزمتين، فإن مسؤوليتنا الوطنية تقتضي الاستعداد لمواجهتهما وتقليل آثارهما على المواطنين.

 

إنقاذ الثروة الحيوانية ودعم الزراعة اليوم أقل كلفة من معالجة نتائج انهيارهما غدًا. فكل قطيع يُفقد، وكل مزارع يعجز عن مواصلة نشاطه، وكل منتج محلي يخرج من السوق، يعني زيادة الاعتماد على الاستيراد وارتفاع فاتورة الغذاء على الدولة والمواطن.

 

ولذلك، فإن مساعدة المنمين والمزارعين في هذه المرحلة ليست ترفًا ولا مطلبًا فئويًا، وإنما ضرورة اقتصادية وغذائية واجتماعية. المطلوب هو التحرك العاجل، وتوجيه الدعم إلى مستحقيه، ومراقبة توزيعه، وحماية الأسواق من المضاربات، والعمل على رفع الإنتاج المحلي؛ حتى نعبر هذه الظروف بأقل الخسائر، ونحول الأزمات الراهنة إلى فرصة لإعادة الاعتبار للزراعة والتنمية الحيوانية باعتبارهما من أهم ركائز الاقتصاد الوطني.

  • Related Posts

    تهاطل أمطار على مناطق متفرقة من البلاد

    أخبار اليوم.  سجلت مقاييس المطر، خلال الـ24 ساعة الماضية، تساقطات مطرية متفاوتة في عدد من مناطق البلاد، وفقا لما أفادت به مصلحة الاتصالات الإدارية بوزارة الداخلية وترقية اللامركزية والتنمية المحلية.…

    اقرأ المزيد

    رئيس الجمهورية يصل مدينة أطار في مستهل زيارة عمل واطلاع لولاية آدرار

    أخباراليوم.  وصل فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء اليوم الأحد، إلى مدينة أطار، في مستهل زيارة عمل واطلاع يؤديها لولاية آدرار. وكان في استقبال فخامة رئيس الجمهورية،…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية