ماذا لوأُتيح لغزواني أن يكتب رسالة؟ ” رأي”

قال قيس بن الخطيم:
«وإن ضيّع الأقوامُ سرّي فإنني
كتومٌ لأسرار العشير أمينُ».

كان الشاعر يضع الوفاء في امتحانه الأصعب: أن يبقى سرّ العشير أمانة، حتى حين لا يحفظ العشير سرّه. وفي حياة الرجال صمتٌ يشبه هذا؛ يحمل صاحبه كلامًا قد ينصفه، ثم يمسكه رعايةً لعهد أو خشيةً على ما هو أكبر من وجعه. ويصبح الأمر أشد وطأةً حين يكون الرجل رئيسًا: قد تريحه جملة، ثم تفتح على بلده بابًا من القلق؛ وقد ينصف نفسه بتفصيل لا يملك، بحكم مسؤوليته، أن يجعله حديث الناس.

ومحمد ولد الشيخ الغزواني جاء إلى الرئاسة بعد خدمة طويلة في مواقع تُحفظ فيها الأسرار: نحو أربعة عشر عامًا، من تولّيه قيادة المكتب الثاني سنة 2004، مرورًا بإدارة الأمن الوطني، وصولًا إلى انتهاء قيادته للجيش سنة 2018؛ منها عشر سنوات في قيادة الأركان وحدها. لا بدّ أن سنوات كهذه تعلّم صاحبها أن المعرفة مسؤولية، وأن بعض ما يصل إليه يبقى أمانة عنده، حتى حين يكون البوح به أيسر الطرق للدفاع عن نفسه.

لهذا، كلما قرأت ما يُكتب هذه الأيام عن صديق تخلّى عن صداقة أربعين عامًا، خطر لي سؤال: ماذا لو أُتيح للرجل الآخر أن يكتب رسالته؟

للرئيس السابق أن يشكو، وله حق العلاج وصون الكرامة وسماع دفوعه. ولكن الذين يحوّلون شكواه إلى حكم أخلاقي نهائي على غزواني يتجاوزون سؤالًا لا تستقيم الحكاية من دونه: هل سمعنا ما لدى الرجلين، أم أن أحدهما يتكلم فيما نكتب نحن، نيابةً عن الآخر، أسباب صمته؟

أربعون عامًا ليست ملكًا لذاكرة واحدة. عاشها رجلان، وقد تبقى اللحظة نفسها في قلب كل منهما على صورة مختلفة. وليس من العدل أن نستدعي طول الصحبة لتعظيم مرارة القطيعة، ثم نحذف من تلك الصحبة كل موقف لا يخدم رواية الجحود.

وفي قصة يوسف عليه السلام مشهد يظل قادرًا على إيقاف القارئ عند ثقل ما يُكتم. كان إخوته أمامه، لا يعرفونه، وحين وُجد الصواع في رحل أخيه قالوا: «إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل». كانوا يتحدثون عن يوسف، ويوسف يسمعهم. يعرف ماضيهم معه، ويعرف ما يجهلونه عن الرجل الذي يقفون أمامه، ثم يأتي البيان القرآني: «فأسرّها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم».

كم تتسع تلك اللحظة لما لا تقوله الكلمات! اتهام يأتي من الأقربين، وذاكرة طويلة حاضرة، وجواب يبقى في الصدر.

وفي أوراق أبراهام لينكولن رسالةٌ كتبها إلى أحد جنرالاته، يعاتبه فيها بمرارة على ترك جيش خصمه ينجو، وتفويت فرصةٍ رأى الرئيس أنها كانت كفيلةً بإنهاء الحرب. ومع ذلك، بقيت الرسالة بين أوراقه، وعلى ظرفها عبارة تفيد أنها لم تُرسل ولم تُوقّع. ومن يطالع تلك الورقة اليوم يدرك أن وراء الصمت أحيانًا رسالةً مكتملة، وأن المسافة بين ما يعتمل في صدر صاحب الحكم وما يسمح لنفسه أن يبوح به للناس قد تكون أطول مما نتخيل.

ولنعد إلى نواكشوط، إلى صورة أكثر دلالة.

في أكتوبر 2012، بعد رصاصة اطويلة، ظهرت صورة للرئيس السابق من داخل المستشفى لطمأنة المواطنين على صحته. وكان غزواني إلى جانبه. ثم جاءت رحلة العلاج والغياب، وعاد ولد عبد العزيز إلى ممارسة الحكم، وبقي الرجل الذي يقود الجيش في موقعه إلى جانبه.

في بلدٍ خَبِر الانقلابات، لا يمر هذا المشهد كما تمر صورة مجاملة. فالصحبة يوم يكون صاحبها قويًا لا تشبه الوقوف معه يوم يصير مصيره موضع قلق. وإذا كان الحديث اليوم عن الوفاء، فإن لتلك الأيام مكانًا في الميزان. لا تبدأ أربعون عامًا من آخر رسالة، ولا تُمحى صفحاتها السابقة لأن نهايتها موجعة.

ثم جاءت سنة 2019، بما يعرفه الناس عنها، وبما ظلوا يتحدثون عنه دون أن يسمعوا رواية مكتملة من أصحاب الشأن.

ولو كُتبت رسالة غزواني، لبحث فيها كثيرون عمّا سبق خطاب فاتح مارس: كيف نضج قرار الترشح؟ وما الذي جرى خلف صورة الانتقال الهادئ؟ ثم عن الحملة وما دار بشأن إدارتها وأموالها وحدود تدخل الرئيس السابق فيها؛ ما الذي صحّ من تلك الروايات، وما الذي لم يصح؟ وكيف عاش المرشح آنذاك ما كان الجمهور يتابعه من بعيد؟

وسيتوقفون عند الأشهر الأولى من الحكم، واجتماع الرئيس السابق بلجنة الحزب الحاكم، والخلاف على المرجعية: ماذا كان كل واحد من الرجلين ينتظر من الآخر؟ أكان انتقال الرئاسة يعني، في فهمهما معًا، انتقال المسؤولية كاملة؟ وأين افترق تصوّراهما لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بعد تسليم السلطة؟

وسيتذكرون ذلك الخريف، وأيام ذكرى الاستقلال، وأخبار التغييرات العسكرية التي اختلطت بالشائعات حول التخطيط لاستخدام القوة للعودة إلى السلطة. لا تستوي هذه الروايات كلها في الثبوت، لكن تذكّر تلك الأجواء يبيّن كم بقي من أسئلة المرحلة خارج الحكاية المبسطة المتداولة اليوم.

وسيبحثون عن حقيقة الاضطرابات الأمنية التي شهدتها نواكشوط خلال فترة حراك الرئيس السابق، وعمّا قيل عن حسابات جُنِّدت في الشبكات الاجتماعية لتضخيمها وإثارة البلبلة والمساس بأمن المواطنين. وسيبحثون كذلك عن تفاصيل الاتفاق الذي وقّعه الرئيس السابق مع حركة «فلام» في الخارج، وعن الغايات المرجوة منه.

وقد يكون أهم ما نحتاج إلى معرفته بعيدًا عن ضجيج تلك الروايات: كيف جرى الكلام بين الصديقين حين بدأ الخلاف؟ هل كانت هناك محاولات للتهدئة لم نسمع تفاصيلها؟ وكيف فهم كل طرف ما عُرض عليه أو طُلب منه؟ ومن كان يشعر، في تلك اللحظة، أن صاحبه لم يعد يفهمه؟

حين يُختزل كل ذلك في عبارة «تخلّى عنه»، تُطوى أسئلة كثيرة داخل كلمتين. يصبح كل خلاف في التقدير خذلانًا، وكل تمسك بصلاحية نكرانًا للجميل، ويُطلب من الرئيس أن يثبت صداقته بالطريقة التي يحددها له الآخرون.

لكن الصداقة، مهما طال عمرها، لا تمنح صاحبها رئاسة ثانية إلى جانب الرئيس. ويستطيع الرجل أن يحفظ لصديقه مكانته في نفسه، وأن يختلف معه في حدود ما يحق له أن يفعله في دولة انتقلت مسؤوليتها إلى غيره. ولعلّ أقسى صور القطيعة تنشأ من أن يتغير الموقع، بينما تبقى التوقعات على حالها.

وحتى الملف القضائي، الذي يُراد اختصاره في خصومة الرجلين، تحيط به خصومات أقدم وأوسع. فحين يرد في رسالة الرئيس السابق ذكر رجل أعمال، يصعب على متابع لتلك السنوات ألّا يستحضر خصومته الطويلة مع ذلك الرجل، وما رافقها من حديث عن تتبّع الأموال وجمع المعلومات والوثائق. وقد كانت تفاصيل ذلك الحديث موضع أخذ ورد، لكن وجود الصراع نفسه، وسبقه لعهد غزواني، ليسا جديدين على الذاكرة الموريتانية.

من هنا، فإن اختزال كل ما جرى في إرادة شخصية للرئيس الحالي يُسقط أطرافًا ومسارات من الرواية. أما تحديد ما وصل إلى المحققين، ومن أين وصل، وما كان له من أثر في الأحكام، فجوابه في أوراق القضية. ويبقى السؤال السياسي: أكان المطلوب من غزواني، حتى يحتفظ بوصف الصديق الوفي، أن يجعل الصداقة حصانة من المساءلة، أيًّا كان مصدر المعلومات والاتهامات؟

من حق الرئيس السابق أن يناقش محاكمته وأن يدافع عن نفسه، ومن حق الناس أن يسألوا عن عدالة الإجراءات. غير أن الوفاء لا يمكن أن يُقاس بقدرة صديق على تعطيل مسار مؤسسي، كما لا ينبغي أن تصبح الخصومة ذريعة للمساس بحقوق صاحبه أو كرامته. للدولة حدود، وللصحبة حرمة، والاختبار الصعب أن يُحفظ لكل منهما حقه.

وثمة تفاصيل تبدو أصغر من هذا الضجيج، لكنها تستحق أن نتوقف عندها.

في مؤتمره الصحفي الأخير، استشهد غزواني بتوسعة جامعة نواكشوط وتوسيع مركز أمراض القلب، وروى أن آخرين طلبوا منه أن تُقام المنشآت الجامعية الجديدة في موقع مستقل عن الجامعة القائمة، وأن يُقام مشروع توسعة مركز القلب بعيدًا عن المركز الحالي. لكنه رفض هذا الخيار في الحالتين، وحسم الأمر لصالح توسعة المؤسستين القائمتين. كان يمكن أن يكون لكل مشروع اسم جديد ولافتة جديدة وحكاية تبدأ مع العهد الجديد. لكنه اختار أن يظل ما يُنجز متصلًا بما سبق.

وفي تقديري، يحمل هذا الاختيار دلالة لا تخطئها العين. فمن يقبل أن يكون إنجازه امتدادًا لإنجاز سابق، يقبل أيضًا أن يبقى لصاحب البداية مكانه في الذاكرة. وهو اختيار يصعب التوفيق بينه وبين صورة رجل لا يشغله إلا محو سلفه.

هذه الوقائع لا تكشف لنا ما في القلوب، لكنها تمنعنا من الاطمئنان إلى رواية تختزلها كلّها في تهمة واحدة.

ماذا لو أُتيح لغزواني أن يكتب رسالة؟

ربما وجدنا فيها ما يغيّر ترتيب الأسئلة قبل أن يغيّر الأجوبة. قد نسأل عندها: أيّ الرجلين كان أشد إحباطًا من الآخر؟ وما الذي كان يعنيه كل منهما حين يتحدث عن الوفاء؟ وهل كان المطلوب استمرار الصداقة، أم استمرار العلاقة كما كانت، رغم أن كل شيء حولها قد تغيّر؟

ليس ضروريًا أن تحمل الرسالة سرًا مدويًا. أحيانًا يكفي أن نعرف جملة قيلت في لقاء، أو نصيحة رُفضت، أو معنى التبس بين رجلين، حتى نفهم ما يجري الحديث عنه على نحو مختلف. وما نراه اليوم نهاية واضحة قد يكون، عند من عاشه، آخر حلقة في طريق طويل من المحاولات والخيبات.

الصمت وحده لا يمنح أحدًا البراءة، لكنه لا يمنحنا حق الإدانة أيضًا. ومن يسمع رواية رجل واحد يستطيع أن يتعاطف معه، وأن يطالب بحقوقه، وأن يحزن لمصيره؛ ويبقى عليه أن يترك للرجل الآخر مكانًا في الحقيقة.

للرجل الذي كتب رسالته حقٌّ في أن نسمعه، حتى وإن كان نشرها في سياق الزيارات الرئاسية للشمال محاولةً مكشوفةً للاستغلال السياسي. وللرجل الذي لم يكتب رسالته حقٌّ في ألّا نؤلّفها ضدّه.

سيدي محمد ولد إبراهيم

  • Related Posts

    وزير الشؤون الإسلامية يشيد بالدعم الذى يقدمه برنامج الأمم المتحدة الانمائي

    أخبار اليوم.  استقبل معالي وزير الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي، السيد الفضيل ولد سيداتي ولد أحمد لولي، اليوم الجمعة بمكتبه في نواكشوط، الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في موريتانيا، السيد…

    اقرأ المزيد

    وزير العقارات يتوجه إلى بنين للاطلاع على التجربة العقارية

    أخباراليوم.  غادر وزير العقارات وأملاك الدولة والإصلاح العقاري، مامودو مامادو انيانغ، نواكشوط فجر اليوم الجمعة، متوجهاً إلى العاصمة البنينية كوتونو، في زيارة عمل تهدف إلى تعزيز تبادل الخبرات في المجال…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية