أخبار اليوم. تكتسب اللقاءات التي تتناول قضايا المواطنة المتكافئة أهمية خاصة، ليس فقط لما تتيحه من فرص للحوار وتبادل الآراء حول قضايا العدالة والمساواة، وإنما لما تعكسه من وعي متنامٍ بضرورة الانتقال من مستوى الخطاب النظري إلى مرحلة ترسيخ هذه المبادئ في واقع الدولة والمجتمع، باعتبارها أساسًا لبناء دولة متماسكة، وصيانة وحدتها، وتعزيز استقرارها.
وفي هذا السياق، يأتي اللقاء الذي جمع عددًا من المهتمين بقضايا المواطنة المتكافئة، وما رافقه من تأكيد على دعم حزب الإصلاح لهذا التوجه، ليشكل مناسبة للتوقف عند أهمية هذه القضية، وما تفرضه من مسؤوليات على الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، وعلى مختلف مكونات المجتمع الموريتاني.
إن موقف حزب الإصلاح الداعم للمواطنة المتكافئة، كما يعبّر عنه أصحابه، لا ينبغي النظر إليه باعتباره موقفًا عابرًا تفرضه الظروف، بل باعتباره تعبيرًا عن مبادئ وقناعات سياسية وفكرية، قوامها الإيمان بأن الدولة لا تستقيم إلا حين يكون جميع مواطنيها متساوين في الحقوق والواجبات، وأن الانتماء الاجتماعي أو المكوني أو الجهوي لا ينبغي أن يكون سببًا للتمييز أو الانتقاص من الحقوق.
فالمواطنة المتكافئة ليست مجرد مفهوم قانوني أو شعار سياسي، وإنما هي منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات، تتطلب أن يشعر كل مواطن بأن الدولة تمثله وتحميه، وأن فرص التعليم والعمل والتنمية والمشاركة العامة متاحة أمامه على أساس من الإنصاف، بعيدًا عن الاعتبارات التي لا صلة لها بالكفاءة والاستحقاق والحق.
هيئة المواطنة المتكافئة.. مسعى وطني يستحق الدعم
إن تشكيل المكتب التنفيذي لهيئة المواطنة المتكافئة يمثل، في حد ذاته، مؤشرًا على وجود إرادة لتنظيم الجهود الرامية إلى طرح هذه القضية بصورة أكثر وضوحًا ومسؤولية. وتنبع أهمية هذه المبادرة من طبيعة الغايات التي تسعى إلى تحقيقها، ومن الحاجة إلى أطر مدنية وفكرية تفتح المجال أمام النقاش الهادئ حول قضايا المواطنة، وتساهم في تعزيز الوعي بالحقوق والواجبات.
غير أن قيمة أي مبادرة من هذا النوع لا تقاس بمجرد إعلانها أو بحجم الاهتمام الذي تحظى به في بدايتها، وإنما بما تستطيع أن تنتجه من حوار جاد، ومقترحات عملية، ومساهمات ملموسة في معالجة الاختلالات التي تعيق بناء الثقة بين المواطنين.
فالمواطنة المتكافئة مشروع وطني يتطلب شجاعة الاعتراف بمواطن الخلل، وإرادة معالجة آثار الظلم، ورؤية تتجاوز الحسابات الضيقة إلى أفق المصالحة والإنصاف. كما يتطلب خطابًا مسؤولًا، يبتعد عن تأجيج الحساسيات، ولا يختزل قضايا المجتمع في صراعات هوياتية، بل يسعى إلى بناء أرضية مشتركة تجمع مختلف المكونات حول مستقبل واحد.
العدالة والإنصاف.. مدخل إلى تعزيز الوحدة الوطنية
لقد أصبح من الواضح أن تقدم الدول لا يقاس بما تنجزه من مشاريع مادية فحسب، وإنما يقاس أيضًا بقدرتها على بناء الثقة بين مواطنيها، وإرساء العدالة، وتكريس تكافؤ الفرص، وصون كرامة الإنسان.
ومن هذا المنطلق، فإن معالجة آثار الظلم الذي لحق ببعض المكونات لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها انتقاصًا من أحد، أو محاولة لإعادة إنتاج التمييز، بل باعتبارها مسعى إلى تصحيح الاختلالات، وترميم الثقة، وتأسيس مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا.
فالعدالة الحقيقية لا تقوم على مطالبة المتضرر بنسيان ما لحق به، وإنما على العمل الجاد لإزالة أسباب الظلم وآثاره، ضمن رؤية وطنية جامعة، تحفظ الحقوق، وتمنع تكرار المظالم، وتضمن أن تكون مؤسسات الدولة وأجهزتها فضاءً للإنصاف والمساواة.
وفي المقابل، فإن تحقيق العدالة يتطلب اعتماد مقاربات مسؤولة، تقوم على احترام القانون، والتحقق من الوقائع، والابتعاد عن التعميم، وتجنب تحميل المسؤولية الجماعية لأفراد أو مكونات بسبب ممارسات أو أخطاء ارتكبها آخرون. فالإنصاف لا يتحقق بظلم جديد، وإنما بإعلاء قيمة الحق، وحماية كرامة الجميع.
وعي مجتمعي متنامٍ ومسؤولية مشتركة
إن ما يمنح النقاش حول المواطنة المتكافئة أهمية إضافية هو انسجامه مع تطور الوعي لدى قطاعات واسعة من الشعب الموريتاني، التي أصبحت تدرك بصورة متزايدة أن بناء الدولة الحديثة لا يكتمل بالإنجازات الاقتصادية والعمرانية وحدها، بل يحتاج كذلك إلى عدالة اجتماعية، ومؤسسات موثوقة، وفرص متكافئة، وعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل.
وهذا الوعي المتنامي يفرض على النخب السياسية والفكرية والمدنية مسؤولية مضاعفة، تتمثل في تحويل المطالب المشروعة إلى برامج قابلة للتنفيذ، وفي تقديم خطاب يرسخ الوحدة الوطنية بدل أن يضعفها، ويعزز الثقة بدل أن يكرس الشكوك، ويقرب بين المواطنين بدل أن يعمق المسافات بينهم.
كما أن الدولة مطالبة، من جانبها، بتعزيز سيادة القانون، وتطوير آليات الإنصاف، وضمان تكافؤ الفرص، والاستماع إلى مختلف المطالب الاجتماعية بجدية ومسؤولية، حتى يشعر الجميع بأن المواطنة ليست مجرد انتماء قانوني، بل واقع ملموس ينعكس على حياتهم اليومية.
من الحوار إلى الفعل
إن دعم مسار المواطنة المتكافئة ينبغي أن يكون دعمًا لمشروع وطني جامع، قوامه الحوار المسؤول، والاعتراف المتبادل، والاحتكام إلى القانون، وتحويل القناعات إلى سياسات وممارسات ملموسة.
وحتى يحقق هذا المسار أهدافه، فإن الحاجة تظل قائمة إلى مبادرات عملية في مجالات التعليم والتشغيل، والتمثيل العادل، ومحاربة التمييز، وتعزيز الوعي بالحقوق والواجبات، إلى جانب تطوير آليات واضحة لمعالجة المظالم، وضمان مشاركة مختلف الفئات في النقاشات المتعلقة بمستقبل البلاد.
فالأوطان لا تتقدم بإخفاء جراحها، وإنما بمعالجتها بحكمة وشجاعة، ولا تتماسك بإنكار تنوعها، وإنما بتحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة وثروة وطنية. وكلما اتسعت دائرة الإنصاف، تعززت الثقة في الدولة، وتراجعت أسباب الاحتقان، وأصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة تحديات التنمية والاستقرار.
وفي الختام، فإن اللقاءات التي تضع المواطنة المتكافئة في صدارة النقاش العام تستحق التثمين، متى ظلت وفية لغاياتها الوطنية، وابتعدت عن التوظيف الضيق، واتجهت نحو بلورة حلول عملية قابلة للتحقق.
وكل التقدير لحزب الإصلاح على ما يعلنه من دعم لهذا المسار، ولأعضاء هيئة المواطنة المتكافئة على جهودهم، مع الأمل في أن تتوج هذه المبادرات بخطوات عملية تعزز الثقة بين المواطنين، وتكرس العدالة، وتفتح آفاقًا أوسع أمام دولة المواطنة والإنصاف.
حمادي سيدي محمد آباتي








