أخبار اليوم. ليست مأساة الإنسان أن يعيش بين الناس، بل أن يفقد ذاته وهو يعيش بينهم، حتى يصبح صوته امتدادًا لأصواتهم ووعيه مرآةً لوعي الجماعة.
فالقطيع لا يحتاج إلى سلاسل؛ يكفيه أن يجعل الاختلاف مصدر خوف، والاستقلال تهمة، والخروج عن الصف نوعًا من الخيانة.
وعندما يعتاد الفرد أن يستمد شرعية أفكاره من كثرة الذين يؤمنون بها، يموت فيه السؤال قبل أن تموت فيه الإجابة.
وهنا يحدث أخطر أشكال الاستلاب: أن يتخلى الإنسان عن عقله طوعًا، ثم يظن أنه يمارس حريته.
إن الجماعة تمنح الفرد دفء الانتماء، لكنها قد تطالبه في المقابل بأغلى ثمن: التنازل عن فرادته.
فيذوب «أنا» في «نحن»، لا باعتباره اختيارًا واعيًا للتضامن، بل باعتباره إلغاءً للذات وإذابةً لحدودها.
وعندئذ يصبح الإنسان مستعدًا للدفاع عن أفكار لم يفكر فيها، ومواقف لم يخترها، وأحكام لم يختبر حقيقتها.
فالقطيع لا يصنع دائمًا جهلًا صريحًا؛ قد يصنع وهم المعرفة، حين يكتفي الإنسان بأن يعرف ما يعرفه الآخرون.
والأخطر أن كثرة الأصوات قد تخنق الصوت الوحيد الذي يسأل: هل نحن على حق؟
لذلك فالعقل المستقل ليس عقلًا يعارض الجماعة دائمًا، بل عقلًا يستطيع أن يقف أمامها دون أن يفقد قدرته على الحكم.
فالاختلاف ليس مرضًا اجتماعيًا، وإنما هو الشرط الأول لولادة الفكرة؛ إذ لا تتقدم الحقيقة حين يتشابه الجميع، بل حين يمتلك أحدهم شجاعة السؤال.
وقد يكون أخطر سجن للإنسان ذلك الذي لا يرى قضبانه، لأن السجين فيه يعتقد أن ما يفكر به اختيار شخصي، بينما هو في الحقيقة صدىً لصوت الجماعة.
إن التحرر الحقيقي يبدأ في اللحظة التي يستعيد فيها الفرد حقه في أن يسأل، ويشك، ويرفض، ويعيد النظر، دون أن يستمد قيمته من تصفيق الآخرين.
فالإنسان لا يصبح فردًا بمجرد أن يحمل اسمًا مستقلًا، وإنما حين يصبح مصدرًا لوعيه، ومسؤولًا عن أفكاره، وقادرًا على الوقوف وحيدًا أمام يقين الجماعة.
وحين يجرؤ المرء على أن يكون نفسه وسط عالم يطالبه بأن يكون نسخةً من الآخرين، لا يكون قد خرج من القطيع فحسب؛ بل يكون قد استعاد الإنسان الكامن داخله.









