تقرير: موريتانيا ضمن النطاق الجغرافي الأوسع لانتشار الجهادية “عالمياً”

أخبار اليوم.  أفاد تحليل استراتيجي حديث، صدر بمناسبة مرور 25 عاماً على هجمات 11 سبتمبر تحت عنوان “قرن الجهاد” بأن موريتانيا تندرج ضمن النطاق الجغرافي الأوسع لانتشار الظاهرة الجهادية في العالم، إلى جانب دول ومناطق تمتد من إندونيسيا إلى موزمبيق وأفغانستان. وفي حديثه عن الانتشار الجغرافي للظاهرة، ذكر بالإشارة الصريحة موريتانيا، ما يعني أن نواكشوط ليست بمعزل عن هذا التمدد، بل تشكّل حلقة في قوس جغرافي واسع يمتد من جنوب شرق آسيا إلى غرب إفريقيا والمحيط الأطلسي.

انتشار غير مسبوق للظاهرة

يؤكد التحليل أن الجهادية “أصبحت اليوم أكثر انتشاراً من أي وقت مضى”، مشيراً إلى أن جماعات جهادية تنشط في عشرات البلدان، وأن 15 دولة إفريقية شهدت خلال الأشهر الاثني عشر الأخيرة أعمال عنف مرتبطة بجماعات إسلامية متشددة خلّفت نحو 24 ألف قتيل. وهذه الأرقام، التي يقدّمها المصدر، تضع موريتانيا في سياق إقليمي مضطرب، حيث لم تعد الظاهرة محصورة في بؤر تقليدية، بل امتدت عبر قوس جغرافي واسع يصل إلى غرب إفريقيا.

الساحل: مركز الثقل الجديد

يربط التحليل بين هذا الانتشار وتصاعد العنف في منطقة الساحل، التي أصبحت المركز الرئيسي للظاهرة، إذ استأثرت وحدها بنحو 10 آلاف قتيل، معظمهم في بوركينا فاسو ومالي والنيجر. وتتحمّل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) التابعة لتنظيم القاعدة، وفق المصدر ذاته، مسؤولية أكثر من ثلاثة أرباع هذه الخسائر، مع توسيع عملياتها نحو الدول الساحلية في غرب إفريقيا. وهذا التوسع، الذي يقترب تدريجياً من موريتانيا، يمنح التحذير الوارد في التحليل بعداً عملياً مباشراً.

الخطأ الاستراتيجي: الخلط بين التنظيم والتيار

ولفهم كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد، يعتبر التحليل أن الخطأ الأكبر خلال “الحرب على الإرهاب” كان الخلط بين تدمير تنظيم معيّن واندثار تيار أيديولوجي أوسع. فالقضاء على بن لادن عام 2011، وتدمير “دولة الخلافة” المزعومة لتنظيم “الدولة الإسلامية” عام 2019، ومقتل البغدادي، كلها انتصارات تكتيكية لم تُنهِ الظاهرة. ويشرح المصدر أن “القاعدة” تنظيم، أما الجهادية فهي تيار سياسي وديني وأيديولوجي وعسكري، والتنظيمات ليست سوى تعبيرات متعاقبة عنه؛ تموت وتتفرّع وتغيّر أسماءها وتفقد قادتها، لكن التيار يبقى ويتجدّد. وهذا التجدد هو ما يفسّر استمرار الظاهرة قرب موريتانيا وخارجها.

محطات غذّت التمدد

ويذكّر التحليل بالمحطات الكبرى التي أسهمت في هذا التمدد، بدءاً من الحرب في أفغانستان عام 2001، ثم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 الذي وصفه بـ”المصفوفة” التي أنتجت الفوضى بسبب قرارات “اجتثاث البعث” وحلّ الجيش. ويضيف أن “الربيع العربي” شكّل محطة أمل خاطف، تلته الحرب في سوريا وصعود “الدولة الإسلامية” واحتلال الموصل عام 2014، ثم موجة الهجمات في أوروبا، قبل انهيار “الخلافة” عام 2019 وعودة طالبان إلى كابول عام 2021. وهذه المحطات، بحسب التحليل، هي التي أنتجت الظروف التي جعلت الظاهرة تصل إلى أعماق إفريقيا.

سوريا: الاستثناء الكبير

ويعتبر التحليل سوريا “الاستثناء الكبير”، إذ سقط بشار الأسد في ديسمبر 2024، ويحكم دمشق اليوم أحمد الشرع الذي قاد سابقاً “جبهة النصرة”، فرع القاعدة في سوريا، قبل أن يعلن فكّ ارتباطه بالتنظيم عام 2016. ويرى المصدر أن رجلاً من فلك القاعدة يحكم دمشق اليوم، لا لأنه حقّق مشروع بن لادن، بل لأنه ابتعد عنه، محذّراً من أن بقايا “الدولة الإسلامية” تواصل عملياتها في سوريا وقد يفتح اغتيال الشرع الباب أمام تجزئة جديدة. وهذا التحوّل السوري، رغم خصوصيته، يبقى جزءاً من الصورة الشاملة التي تخص موريتانيا أيضاً.

مفارقة مركزية

يختتم التحليل بمفارقة مركزية مستنداً إلى المثل المنسوب لطالبان: “أنتم تملكون الساعات، ونحن نملك الوقت”. فالحكومات تفكّر بمنطق الولايات الانتخابية، تتدخّل ثم تنسحب، بينما الجهاديون “يمكنهم الانتظار”. ويدعو أوروبا إلى “امتلاك الوقت” عبر استقلال استراتيجي واتساق سياسي وإرادة طويلة المدى، مؤكداً أن الحل ليس عسكرياً فقط، بل يشمل الإدماج السياسي وسيادة القانون والتنمية الاقتصادية والتعليم ومكافحة التمييز، لأن الجهادية “هيدرا” كلما قُطع رأسها نبت رأسان. وهذه الدعوة تخص موريتانيا بقدر ما تخص غيرها، بحكم موقعها الجغرافي ودورها المحتمل في مواجهة هذا التمدد

  • Related Posts

    نريد غزواني مؤسس الجمهورية الثالثة (3D) / محمد أبات الشيخ محمد المامي

      أخبار اليوم.   تحتاج موريتانيا اليوم إلى أن تفتح نقاشًا وطنيًا شجاعًا حول مستقبل نظامها السياسي، وليس المقصود بهذا النقاش تغيير الأشخاص أو تداول النخب داخل البنية نفسها، وإنما إعادة…

    اقرأ المزيد

    النفط يتجاوز 107 دولارات

    أخبار اليوم.  قفزت أسعار النفط بنحو 6% مع تصاعد الهجمات على السفن ومنشآت الطاقة في الشرق الأوسط، مما فاقم مخاوف المتعاملين من تعطل إضافي للإمدادات في سوق تعاني شحا بالفعل.…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية