أخبار اليوم. استوقفني مقال لاذع للصحفي محمد عبد الرحمن ولد عبد الله بعنوان: «تماسيح تيارت… وتماسيح المكاتب»، تناول فيه حادثة ظهور تمساح في مقاطعة تيارت، ليصنع مقاربة بارعة بين هذا الزائر العابر وتماسيح أخرى أشد فتكاً تستوطن مستنقعات الفساد الآسنة.
وسواء صحّت واقعة التمساح أم كانت محض شائعة، فإن هذه الرمزية العميقة فتحت أمامي أبواباً لنقاش قضايا جوهرية طالما غضّ الإعلام الطرف عنها، ودفعتني لتأمل واقعنا المرير.
في حقيقة الأمر، أرى أن تمساح تيارت هو الأقل خطراً بين كل المفترسات التي تتربص بنا. لقد استُنفرت أجهزة الحماية المدنية لتعقبه، وكأن البلاد اكتشفت بغتة أنها محاطة بالزواحف القاتلة.
خطيئة هذا الحيوان الوحيدة أنه ضلّ طريقه وخرج إلى الشارع، فبات مكشوفاً وسهُلت مطاردته. أما التماسيح الحقيقية، فتزحف بهدوء وأناقة تامة داخل المكاتب المكيفة، وتقتات بنهم على الصفقات العمومية، والميزانيات، وتتغلغل في دهاليز الإدارة والاقتصاد.
هذه التماسيح البشرية لا تحتاج إلى فكوك مرعبة لتفترسنا؛ بل يكفيها جرة قلم، أو نفوذ، أو واسطة لتبتلع أحلام جيل بأكمله.
إنها تنهشك وأنت تقف في طابور المخبزة حين يرتفع سعر الرغيف، وتفترسك في الصيدلية عبر دواء مزور أو تسعيرة تفوق طاقتك. هي ذاتها التي تلتهم قوتك اليومي في مستشفى يفتقر لأبسط المعدات، وفي طريق يُدشن اليوم لينهار غداً حاصداً أرواح الأبرياء، وهي التي تبتلع طموحات الكفاءات وحملة الشهادات لتُفسح المجال لتعيينات المحسوبية التي تُدوَّر في المناصب منذ عقود.
لكن المفارقة الأكثر إيلاماً تتجلى في شرعنة هذا النهب. أقف متعجباً من بعض الفقهاء الذين يدركون يقيناً حرمة المال العام، ومع ذلك يختلقون مخارج للتحايل، مستدعين فتاوى تاريخية من عهد أمراء بني حسان والمستعمر، متناسين حاجتنا الماسة اليوم إلى “فقه واقع” صارم يحمي مقدرات الأمة. وإذا أنعشنا ذاكرتنا البصرية بالواقع، فإن القصور الشاهقة في تفرغ زينة، والعقارات الفاخرة في المغرب وإسبانيا التي يمتلكها موظفون عموميون، تطرح تساؤلات مشروعة عن مصادر هذه الثروات الفاحشة التي لا يمكن للرواتب وحدها تبريرها.
وفي المقابل، يكشف لنا تصريح وزير سابق تقلد أعلى المناصب –كمحمد فال ولد بلال– بأنه لا يملك منزلاً في تفرغ زينة ولا في الخارج، حجم الخلل العميق، ليؤكد أن الوظيفة العامة يجب ألا تكون أبداً بوابة لثراء غامض.
وأن الإنجاز الأكبر هو الخروج منها بـ “يد نظيفة”.
إن الهلع المجتمعي من تمساح تائه لا يمتلك حسابات بنكية في الملاذات الآمنة ولا يدير شركات وهمية، يثير سخرية مريرة. الفارق شاسع جداً بين زاحف ضال يسهل إيداعه في قفص، ومسؤول يبتلع ميزانيات الوطن بدم بارد؛ والمصيبة الكبرى أن هؤلاء المسؤولين هم من يمتلكون، للأسف، مفاتيح الأقفاص.
حان الوقت لتوجيه بوصلة المحاسبة نحو تماسيح الملفات والأرقام بدلاً من الانشغال بتمساح الشارع.
لمرابط ولد لخديم









