لقماري.. حين يصبح الحضور الاجتماعي تهمة!

 

في السياسة، أخطر ما يمكن أن يفعله المرء ليس أن يختلف مع خصمه، وإنما أن يفسّر اختلافه معه بما لا يملك عليه دليلًا.

وهذا تحديدًا ما أثار انتباهي في المقال الذي جعل من لقماري مشكلة محمد ولد انويكظ، ثم ذهب أبعد من ذلك حين حاول أن يفسر جرأة الرجل على أنها انعكاس لاعتقادٍ مفترض بأن الطريق أصبح مفتوحًا أمامه، وأن خصمه لم يعد في دائرة الرضا.

قد تكون هذه قراءة سياسية؛ لكنها تظل قراءة، لا حقيقة.

والفرق بين الاثنين هو بالضبط الفرق بين التحليل السياسي الرصين وبين صناعة رواية سياسية من الظنون.

أما لقماري نفسه، فهناك شيء يبدو أن المقال أغفله عمدًا أو سهوًا: للرجل رصيد اجتماعي سابق على كثير من دوائر النفوذ الحالية، ورصيد من الألفة والحضور والفخر يعرفه الموريتانيون ويرددونه في كلامهم اليومي.

ففي الذاكرة الاجتماعية الموريتانية، حين يوصف عمل بأنه بطولي، شجاع، أو داخل في معالي الأمور، قد يقال عنه: «هذا متكنت».

وحين يوصف الرجل بأنه يتجنب اللجاج، ولا يجر نفسه إلى المهاترات والفضائح، ويؤثر العقل والتروي، يقال عنه إنه يتصرف «بالديمين».

وهذه ليست مجرد ألفاظ عابرة؛ إنها جزء من قاموس اجتماعي يختصر منظومة كاملة من القيم: الشجاعة دون تهور، والكرامة دون صخب، والذكاء دون ابتذال، والقدرة على إدارة العلاقات دون تحويلها إلى خصومات.

ومن يعرف لقماري يعرف أن المرح والملاحة والكاريزما ليست اختراعًا سياسيًا طارئًا ظهر يوم اقترب من أصحاب القرار.

الرجل اجتماعي بطبعه، سريع الألفة، حسن المعشر، وله قدرة على إقامة علاقات واسعة مع الناس، قبل أن يصبح بعض هؤلاء الناس أصحاب مواقع ومكانة.

فلماذا يصبح ما كان بالأمس حضورًا اجتماعيًا، اليوم دليلًا على فساد سياسي؟

ولماذا يصبح القرب من صاحب مكانة قرينة على التبعية له؟

إذا كان هذا هو المعيار، فعلينا أن نعيد كتابة تاريخ المجتمع كله؛ لأن العلاقات الاجتماعية في موريتانيا لم تبدأ مع الدولة الحديثة، ولم يخترعها السياسيون.

أما الفساد، فذلك باب آخر.

والفساد ليس شتيمة سياسية نرمي بها من نختلف معه. إنه مفهوم له أفعال ووقائع ومعايير.

قد يكون فسادًا ماليًا، أو إداريًا، أو سياسيًا، أو اقتصاديًا، وقد يظهر في الرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ والاحتكار والغش والتلاعب بالصفقات، كما يمكن أن يظهر في الإعلام حين يتحول القلم إلى سلعة، وفي التجارة حين يصبح الربح قائمًا على الغش أو الاحتكار أو مخالفة القانون.

لكن لا يجوز أن نرتكب خطأً أخلاقيًا ومنهجيًا: أن نقرر أولًا أن شخصًا فاسد، ثم نبحث بعد ذلك عن تفسير لعلاقاته لكي تثبت التهمة.

القلم الذي يؤجر نفسه ليس أقل خطورة من اليد التي تختلس، إذا كان كلاهما يبيع الحقيقة لمصلحة خاصة.

ومع ذلك، لا يجوز أن نتهم كل إعلامي، كما لا يجوز أن نتهم كل تاجر.

وهنا ينبغي أن نكون أكثر عدلًا مع لقماري.

لست في وارد الدفاع عنه في ما قاله أو فعله؛ فقد يكون مخطئًا، وقد تكون له مواقف تستحق النقد، والنقد حق للجميع.

لكنني أتحفظ بشدة على الانتقال من نقد موقف إلى رسم شخصية كاملة: فاسد، متملق، تابع، لا يجرؤ إلا لأن الطريق مفتوح أمامه!

هذه أحكام كبيرة، وأكبر من أن تحملها واقعة سجالية لم نرَ تفاصيلها كلها.

ثم إن القول إن لقماري لا يمكن أن يتطاول على رجل بحجم محمد ولد انويكظ إلا إذا كان يشعر بأن الأخير لم يعد في دائرة الرضا، يفترض معرفة بما يدور في الغرف المغلقة، وبما يقال بعد الثانية فجرًا، وبما يشعر به هذا الطرف أو ذاك.

وهنا يتحول التحليل السياسي إلى علم بالغيب السياسي!

ولست ممن يستهينون بالسياسة، بل على العكس؛ السياسة تحتاج إلى قراءة ما وراء الأحداث. لكن القراءة شيء، وتحويل التخمين إلى يقين شيء آخر.

أما استدعاء واقعة قديمة تعود إلى سنة 2017، وربطها بكل ما يحدث اليوم، فذلك أيضًا يحتاج إلى أكثر من سردية متماسكة. فالسياسة لا تُبنى على الذاكرة وحدها، ولا يكفي أن تقع واقعة حتى تصبح مفتاحًا دائمًا لتفسير كل الأحداث اللاحقة.

وإذا كانت هناك خصومة قديمة، فليأت أصحابها بما يثبت استمرارها وأثرها، لا أن نضعها نحن في مكانها المناسب داخل القصة التي نريد أن نرويها.

أما محمد ولد انويكظ، فهو رجل له مكانته، ومن حقه أن يرد على أي إساءة أو نقد يراه مجحفًا.

لكن مكانة الرجل لا تعني أن كل من ينتقده متآمر عليه، كما أن مكانة لقماري الاجتماعية لا تعني أنه فوق النقد.

المشكلة تبدأ حين يصبح الحجم الاجتماعي للشخص قرينة اتهام، أو الحجم الاقتصادي للشخص حصانة من النقد.

والأجدر بنا أن نحتكم إلى الأفعال.

إذا كان لقماري فاسدًا، فليُذكر فسادُه بوقائعه.

وإذا كان متملقًا، فلتُذكر مواقفه التي تثبت ذلك.

وإذا كان يستعمل علاقاته للإضرار بمصالح الناس، فليُكشف ذلك.

أما أن نعتبر ابتسامته، وحضوره، واتساع دائرة معارفه، وجرأته في الحديث، أدلة على أنه يعمل بتوجيه من هذا أو ذاك، فذلك ليس نقدًا سياسيًا؛ بل تفسير للنوايا لا يمكن إخضاعه للمساءلة.

وفي النهاية، قد يكون في القصة كلها شيء أهم من لقماري وولد انويكظ معًا:

أننا أصبحنا أحيانًا نبحث عن صاحب النفوذ المختبئ خلف كل كلمة جريئة، بدل أن نسأل عن الكلمة نفسها: هل هي صحيحة أم خاطئة؟

وهذا أخطر على الحياة العامة من أي سجال بين رجلين.

لأن المجتمع الذي لا يستطيع أن يرى الجرأة إلا باعتبارها إذنًا من فوق، ولا يرى العلاقات الاجتماعية إلا باعتبارها شبكة مصالح، ولا يرى النقد إلا باعتباره تصفية حسابات، مجتمع يفقد تدريجيًا قدرته على التمييز بين المتكنت والمتملق، وبين الديمين والجبن، وبين النقد والتشهير.

ولقماري، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى أن نرفعه فوق النقد، كما لا ينبغي لأحد أن يخفضه إلى مرتبة لم تثبت عليه.

فليُحاكم الرجل بما ثبت عنه، لا بما افترضناه عنه.

وتلك، في السياسة كما في الحياة، ليست مجاملة لأحد؛ إنها الحد الأدنى من الإنصاف.

حمادي سيدي محمد آباتي

  • Related Posts

    وزير المالية يبحث علاقات التعاون مع بعثة من صندوق النقد الدولي

    أخبار اليوم.   استقبل وزير المالية، كوديورو موسى انكينور، مساء اليوم الخميس، بعثة من صندوق النقد الدولي، برئاسة المستشار الإقليمي في إحصاءات المالية العمومية بالصندوق، السيد فرانسيس غاهيزي. وتم خلال اللقاء…

    اقرأ المزيد

    تقرير “بي بي” : 18 شحنة غاز من «آحميم» في 2025.. دون كشف عائدات موريتانيا

    أخباراليوم.  قالت شركة «بي بي» إن مشروع «السلحفاة آحميم الكبير» للغاز أسهم في دعم أنشطة الصيد والزراعة والخدمات الصحية بمنطقة انجاكو، جنوب غربي موريتانيا، ضمن برامج اقتصادية واجتماعية استعرضتها في…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية