أخبار اليوم. على أصوات المدافع الثقيلة ودوي الانفجارات، استيقظ سكان نيامي فجر السبت التاسع والعشرين من أغسطس. انقلاب أم تمرد؟ ذاك هو السؤال الذي طرحه النيجريون قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
أشرقت الشمس وظل السؤال هو هو، لكن ساعات الظهيرة، وإن لم تحمل إجابة عنه، جرت فيها الرياح بما لا تشتهي سفن قادة التحرك، وبدا أن الجنرال تياني، المسنود بالفيلق الإفريقي الروسي، ممسك بزمام الأمور، وأن الأوضاع تتجه نحو السيطرة.
في «زووم الصحراء» هذا الأسبوع نبحث عن إجابة تعضدها المؤشرات على السؤال الذي ما زال مطروحا رغم استتباب الوضع، وقبل ذلك نستعيد ظروف التحرك، قبل أن نصل إلى ما بعده.
قبل أن يَلعلع الرصاص
مع أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في النيجر، كما في بقية دول تحالف الساحل، بالغ الصعوبة، فإن ظاهر الصورة كان يوحي بأن الأمور استتبت للمجلس العسكري الذي يحكم البلد منذ ثلاث سنوات.
فالجنرال تياني، الذي يقود المجلس العسكري في النيجر، بات يمثل أحد أبرز عناوين دول التحالف، وظهر في خرجات يتحدث فيها باسمها، ويتهم دولا في الإقليم وخارجه بالضلوع في عملية الخامس والعشرين من أبريل ضد نظام عاصمي غويتا في باماكو.
وخارجيا، كان رئيس وزراء النيجر، في الثامن والعشرين من أغسطس، أي في اليوم السابق للتحرك، في الجزائر في زيارة اعتُبرت، إلى جانب زيارة رئيس وزراء مالي، إعلانا لنهاية التوتر مع الجزائر، البلد المطل على الساحل والذي كان حتى وقت قريب من أبرز المناوئين للحكومات العسكرية الحاكمة في دول تحالف الساحل.
لكن خلف هذه الصورة كانت المؤسسة العسكرية قد شهدت تحركات سابقة، بقيت احتجاجات ميدانية على ظروف القتال والقيادة والتجهيز، ولم تصل إلى مركز السلطة في العاصمة. فخلال ثلاثة أشهر فقط من عام 2025 شهد الجيش أربع حركات تمرد في ترميت وتاهوا وفيلينغي وتيرا.
وفي فيلينغي رفض جنود الكتيبة المشتركة الثالثة عشرة التوجه إلى بانيبانغو قبل توفير الإمكانات والدعم الجوي، واحتجزوا قائدهم واعتدوا عليه. وبعد أقل من 24 ساعة رفض جنود في تيرا مهمة لمرافقة قافلة، مطالبين بذخيرة كافية وأسلحة مناسبة ومعلومات استخباراتية موثوقة ودفع مستحقاتهم في موعدها، وكانت الوحدات متأثرة بمقتل عشرات العسكريين في هجمات الجماعات المسلحة.
وبينما ظلت تلك التحركات محصورة في جبهات القتال، وصل تحرك 29 أغسطس للمرة الأولى إلى العاصمة واستهدف مركز السلطة نفسه.
وقبل التمرد بأربعة أيام، نشرت «Africa Intelligence»، في 25 أغسطس، تقريرا عن تحركات لصدام حفتر في ليبيا وتشاد، قالت إنه يسعى من خلالها إلى استمالة متمردين مناوئين لتياني موجودين في البلدين.
ماذا جرى؟
من القاعدة العسكرية 101، المثقلة بالرمزية، انطلقت العملية العسكرية المباغتة التي استهدفت القصر الرئاسي والمطار ومبنى الإذاعة والتلفزيون.
كان ذلك دليلا على الطبيعة «الانقلابية» للتحرك، لكن عدم إذاعة بيان وعدم ظهور قائد أو قادة له عززا فرضية التمرد، وأن الأمر يتعلق بضباط شباب منزعجين من الأداء العسكري في جبهات المواجهة مع الجماعات المسلحة، ومن طريقة إدارة الجنرال تياني ورفاقه للملف الذي كان مسوغ انقلابهم على الرئيس المنتخب محمد بازوم في الخامس والعشرين من يوليو 2023.
السيطرة على القاعدة العسكرية 101 أوصلت منذ البداية رسالة غير مشفرة؛ فالقاعدة نفسها:
* كانت عنوان الوجود الفرنسي قبل أن يعتصم نيجريون أمامها مطالبين بطرد فرنسا، ويكون لهم ذلك بعد أشهر من وصول تياني إلى الحكم ودخوله في عملية كسر عظم مفتوحة مع باريس، وصلت إلى محاصرة سفارتها في نيامي وقطع الماء عنها.
* كما كانت عنوانا للوجود الأمريكي أيضا، قبل أن يفتح حكام النيجر الجدد أبوابها أمام الشريك الاستثنائي الجديد، روسيا، لتشهد القاعدة، لفترة لم تطل، تعايشا اعتبره الأمريكيون استفزازيا مع وريث القوى الغربية في منطقة الساحل.
الفيلق الإفريقي الروسي يحسم
لساعات كان الوضع مضطربا: قوات الحرس الرئاسي تتصدى لوحدات من مجموعات النخبة العائدة من جبهات القتال، وقوات تتحرك من قواعد في الداخل لإسناد قادة التحرك.
وفي الميدان، كان واضحا أن أيا من الطرفين لا يمتلك أدوات الحسم. فما الذي تغير بعد الظهيرة وحسم الأمر لصالح تياني؟
تكاد الإجابة تتطابق لدى الجميع: إنها قوات الفيلق الإفريقي الروسي، العنوان الجديد للوجود العسكري الروسي الذي حل محل مجموعة فاغنر.
وبحسب المصادر، كان للنيران الروسية دور حاسم في إمالة الكفة لصالح المجلس العسكري، وبالتالي إحباط تحرك قادته، سواء كان تمردا أم انقلابا.
وماذا بعد؟
خرج نظام تياني من ليلة وضحاها من أصعب اللحظات التي عاشها منذ وصوله إلى الحكم، رغم أن البلاد عرفت خلال سنوات حكمه الثلاث حالات تمرد وهجمات مسلحة.
فشل التحرك لا يعني بالضرورة أن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه قبل فجر التاسع والعشرين من أغسطس، بل يعني غالبا أن معطيات جديدة في المشهد ستفرض تغييرات جوهرية.
خروج الضباط الشباب بهذا الشكل، وسيطرتهم لساعات على واحدة من أهم القواعد العسكرية، يعني أمرين بالغي الأهمية:
* أن الجيش النيجري منقسم بشأن المقاربة المعتمدة لمواجهة الجماعات المسلحة؛ فالقضية التي وحّدت رفاق السلاح ضد الرئيس المنتخب أصبحت اليوم تقسمهم إلى فسطاطين متقاتلين.
* أن المجلس العسكري يعاني من هشاشة ذاتية؛ إذ استطاع ضباط شباب السيطرة على واحد من أهم معاقله، وكان من عوامل حسم المواجهة في النهاية تدخل قوة خارجية، حتى ولو كانت صديقة للمجلس العسكري. لكن تدخلها لحمايته، لا من جماعات العنف وإنما من رفاقه في المؤسسة العسكرية، مؤشر سيترك أثرا عميقا في نظرة الشارع النيجري نفسه.
وبالطبع، ستحصل روسيا، بعد مساهمتها في إنقاذ حكام نيامي من تحرك التاسع والعشرين من أغسطس، على مزيد من النفوذ، ليس في النيجر فحسب، بل في بقية بلدان الساحل.
لكن تصدرها للدفاع عن حكومات عسكرية تواجه حالات تمرد داخل جيوشها، إلى جانب حالة عدم ارتياح شعبي بفعل محدودية الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية وحتى الأمنية، يجعلها بدورها أمام خطر فقدان نفوذها في اللحظة التي تفقد فيها هذه الحكومات السيطرة، لهذا السبب أو ذاك؛ تمردا كان أم انقلابا








